الأحد، 17 مايو 2026
بيروت
26°C
غيوم متناثرة
AdvertisementAdvertisement

"السيد مقتدى الصدر ومهلة 90 يوما"

 

في المشهد العراقي لا تقاس المواقف السياسية بحجم الكلمات فقط بل بتوقيت إطلاقها والجهة المقصودة بها والسياق الإقليمي والداخلي الذي تتحرك ضمنه ومن هذا المنطلق فإن المهلة التي منحها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر للحكومة الجديدة والمحددة بتسعين يوما لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد موقف أعتراضي أو تحذير سياسي عابر بل بأعتبارها خطوة محسوبة بعناية ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الشارع والدولة والقوى السياسية المتنفذة.

حيث لقد أعتاد العراق منذ العام 2003. على حكومات تبدأ تحت شعار الإصلاح وتنتهي تحت ضغط التوافقات و المحاصصة و بينما يبقى المواطن محاصرا بين وعود الكهرباء وأزمات البطالة وتراجع الخدمات وصراعات النفوذ الداخلي والخارجي و في خضم هذا الواقع يظهر السيد مقتدى الصدر بوصفه واحدا من أكثر الفاعلين السياسيين قدرة على التأثير في المزاج الشعبي و السياسي وليس فقط من خلال حضوره الجماهيري بل أيضا عبر قدرته على الإنتقال بين موقع المعارضة وموقع التأثير المباشر في السلطة.

إن مهلة التسعين يوما تمثل في جوهرها هي
رسالة مركبة متعددة الأبعاد فهي رسالة إلى الحكومة ورسالة إلى الإطار التنسيقي السياسي الحاكم ورسالة إلى القوى الإقليمية ورسالة ربما إلى جمهور التيار الصدري نفسه وهي أيضا محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي في العراق في مرحلة تتسم بحساسية داخلية شديدة وتغيرات إقليمية متسارعة.

لماذا التسعون يوما تحديدا ؟ _

في عالم السياسة الأرقام ليست دائما أعتباطية حيث
أن مهلة التسعين يوما تحمل دلالات عملية ورمزية في آن واحد فهي مدة كافية نسبيا لأختبار النوايا الحكومية و لكنها قصيرة بما يكفي لمنع الحكومة من الأحتماء بحجة الحاجة إلى الوقت.

زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر يدرك أن الحكومات العراقية غالبا ما تعتمد على عامل الزمن لإطفاء زخم الأحتجاجات والضغوط السياسية ولذلك فإن وضع سقف زمني واضح يعني سحب واحدة من أهم أدوات المناورة التقليدية لدى السلطة.

و أن التسعون يوما هنا ليست فقط مهلة تنفيذ بل مهلة كشف وطبعا كشف لقدرة الحكومة على إتخاذ القرارات الحقيقية بعيدا عن التوازنات المعقدة وكشف أيضا لهوية الطرف الذي يمسك فعليا في مفاصل القرار داخل الدولة العراقية و كما أن أختيار مدة محددة يهدف إلى خلق حالة ترقب شعبي وإعلامي مستمرة تجعل الحكومة تحت المجهر يوميا وتمنعها من الأسترخاء السياسي.

الصدر بين المعارضة والسلطة _

واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدا في فهم الحركة الصدرية و هي أنها ليست معارضة تقليدية في الكامل وليست جزءا سلطويا تقليديا في الكامل أيضا
فالتيار الصدري شارك في الحكومات المتعاقبة و أمتلك حضورا نيابيا و شعبيا واسعا و لكنه في الوقت نفسه حافظ على الخطاب الأحتجاجي الشعبوي حيث الذي يضعه في موقع المراقب الناقد للسلطة
و هذا التنوع الظاهري منح السيد مقتدى الصدر ميزة سياسية نادرة إذ أستطاع أن يحمل خصومه مسؤولية الإخفاقات و في الوقت ذاته يحتفظ بمسافة تسمح له في العودة إلى الشارع متى ما أراد
ومهلة التسعين يوما تعكس هذا التموضع الذكي فهو لا يسقط الحكومة مباشرة ولا يمنحها دعما مفتوحا بل يضع نفسه في موقع الحكم السياسي والأخلاقي عليها.

إنه يقول للحكومة بصورة غير مباشرة
أمامكم فرصة لإثبات الجدية و لكن صبر الشارع ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية.

 

الرسائل الخفية للحكومة _

من الخطأ الأعتقاد أن المهلة موجهة نحو الأداء الخدمي فقط فالقضية أعمق بكثير حيث هناك
عدة رسائل ضمنية يمكن قراءتها في هذا الموقف

ملف الفساد _

سماحة السيد مقتدى الصدر يدرك تماما أن الفساد هو العقدة المركزية في النظام السياسي العراقي لذلك فإن أي حديث عن الإصلاح دون فتح ملفات الفساد الكبرى سيعد خداعا للرأي العام و لكن فتح هذه الملفات ليس قرارا فنيا فقط بل هو قرار صدامي مع شبكات النفوذ التي تمتد داخل مؤسسات الدولة والأحزاب والاقتصاد ولهذا فإن مهلة التسعين يوما هي أيضا أختبار لجرأة الحكومة
هل تستطيع مواجهة مراكز القوة؟ أم أنها ستكتفي بالإجراءات الإعلامية والشعارات؟_

حصر السلاح _

هذا الملف يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العراق فالدولة العراقية ما زالت تعاني من أزدواجية القوة بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة المرتبطة بأحزاب وقوى سياسية
وهنا زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر رغم أمتلاكه تأريخا كبيرا مع العمل المقاوم حيث يحاول منذ عدة سنوات في إعادة تقديم مشروعه بوصفه داعما لفكرة الدولة القوية ولذلك فإن المهلة تحمل أيضا ضغطا في إتجاه إعادة تعريف هيبة الدولة.

العلاقة مع الخارج _

العراق يعيش وسط شبكة معقدة من النفوذ الإقليمي والدولي وأي حكومة عراقية تقاس قوتها في مدى إستقلال قرارها السياسي و من هنا فإن رسالة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر تتضمن مطالبة ضمنية بعدم تحويل العراق إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الخارجية.

هل الصدر يهيئ لعودة سياسية كبرى؟_

هناك قراءة مهمة تعتبر أن مهلة التسعين يوما ليست مجرد ضغط على الحكومة بل هي ممكن تمهيد لعودة سياسية مدروسة فبعد الأنسحاب من العملية السياسية بدا وكأن التيار الصدري أختار الإبتعاد التكتيكي و لكن الواقع أثبت أن سماحة السيد مقتدى الصدر لا يغادر المشهد بالكامل أبدا حيث إنه ينسحب حين يشعر أن قواعد اللعبة لا تخدمه ثم يعود حين تتغير الظروف واليوم يبدو أن الرجل يراقب بدقة حالة التململ الشعبي وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية الكلاسيكة وتصاعد الأزمات الأقتصادية و الخدمية وفي حال فشلت الحكومة خلال المهلة المحددة فإن ذلك قد يمنحه فرصة للعودة بقوة و ليس باعتباره جزءاً من الأزمة بل بأعتباره صاحب الإنذار المبكر وهذه نقطة شديدة الذكاء في إدارة الخطاب السياسي.

البعد الشعبي للمهلة _

من أهم عناصر قوة السيد مقتدى الصدر قدرته
على مخاطبة الشارع بلغة بسيطة لكنها مؤثرة
فهو يدرك أن المواطن العراقي تعب من البيانات السياسية المعقدة ومن المصطلحات الدبلوماسية الفضفاضة وعندما تطرح مهلة محددة فإن الشارع يفهم الرسالة فورا و هناك وقت للحكومة كي تعمل وبعدها ستكون هناك محاسبة سياسية وشعبية
وهذا الخطاب يعزز صورة السيد مقتدى الصدر كزعيم قريب جدا من المزاج الشعبي حتى وإن أختلف معه البعض سياسيا و كما أن المهلة تخلق حالة تعبئة غير مباشرة داخل الشارع الصدري نفسه وتحافظ على جاهزية الجمهور وتحفزه على مراقبة الأداء الحكومي.

الحكومة بين اختبار الإنجاز وفخ التوقعات _

الحكومة العراقية تواجه معضلة حقيقية فمن جهة هناك ضغط شعبي هائل لتحسين الخدمات ومحاربة الفساد ومن جهة أخرى هناك بنية سياسية معقدة تجعل أي إصلاح جذري يصطدم في مصالح القوى النافذة ولذلك فإن التسعين يوما قد تتحول إلى فخ سياسي إذا حققت الحكومة إنجازات ملموسة فإنها ستكسب زخما وثقة نسبية و أما إذا فشلت فإنها ستدخل مبكرا في مرحلة فقدان الشرعية الشعبية والأخطر أن الفشل في العراق لا يبقى محصورا في الإطار السياسي بل يتحول بسرعة إلى توتر إجتماعي وأمني.

 

هل العراق أمام مرحلة إعادة أصطفاف سياسي؟ _

المشهد العراقي الحالي يوحي بأن البلاد قد تكون مقبلة على إعادة تشكيل للتحالفات السياسية حيث أن التحالفات القديمة لم تعد مستقرة كما كانت والقوى التقليدية تواجه أزمة ثقة متزايدة بينما يظهر جيل جديد من الناشطين والشخصيات المستقلة الباحثة عن بديل و في هذا السياق قد تكون مهلة التسعين يوما جزءا من عملية أوسع لإعادة فرز القوى السياسية و من يتمسك في المحاصصة ومن يكتفي بإدارة النفوذ والسيد مقتدى الصدر يحاول على ما يبدو أن يتموضع في الجهة التي تمثل التغيير الوطني حتى وإن كانت تجربته السياسية السابقة عرضة للنقد.

 

السيناريوهات المحتملة بعد انتهاء المهلة _

السيناريو الأول _ نجاح نسبي للحكومة
إذا أستطاعت الحكومة تحقيق خطوات ملموسة في ملفات الخدمات أو مكافحة الفساد أو ضبط الأمن فقد يؤدي ذلك إلى تهدئة مؤقتة للمشهد و لكن حتى في هذا السيناريو ستبقى العلاقة بين السيد الصدر والحكومة علاقة حذرة و لأن السيد مقتدى الصدر لا يريد منح أي طرف فرصة للتحول إلى مركز قوة ينافس نفوذه الشعبي.

السيناريو الثاني _ فشل واضح وتصاعد الأحتجاجات.

هذا السيناريو هو الأكثر حساسية فإذا أنتهت المهلة دون نتائج حقيقية فقد يشهد العراق موجة ضغط شعبي جديدة وربما عودة قوية للتيار الصدري إلى واجهة المشهد الميداني وفي هذه الحالة ستكون الحكومة أمام أزمة شرعية حقيقية.

السيناريو الثالث _ تسويات خلف الكواليس
السياسة العراقية كثيرا ما تدار عبر التسويات غير المعلنة وقد تؤدي الضغوط الحالية إلى تفاهمات جديدة بين القوى السياسية الكبرى بهدف أحتواء أي تصعيد محتمل ولكن المشكلة أن هذا النوع من التسويات غالبا ما يؤجل الأزمة ولا يحلها.

البعد الإقليمي والدولي _

لا يمكن فصل أي تحرك سياسي كبير في العراق عن البيئة الإقليمية فإن العراق يشكل ساحة تقاطع مصالح بين قوى متعددة من إيران وتركيا وأميركا ودول الجوار العربي ومن هنا فإن تحركات سماحة السيد مقتدى الصدر تراقب بعناية خارج العراق أيضا
فالسيد الصدر يمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة وخطابه الوطني يمنحه القدرة على التأثير في التوازنات الداخلية ولهذا فإن مهلة التسعين يوما ليست حدثا عراقيا داخليا فقط و بل هو جزء من المعادلة الإقليمية الكبيرة و تتعلق في مستقبل النفوذ الخارجي في العراق.

هل يمتلك الصدر مشروع دولة فعلا ؟ _

هذا السؤال يبقى محوريا في أي نقاش جدي حول مستقبل الحركة الصدرية فخصوم السيد الصدر يرون أن خطابه يتغير تبعا للظروف السياسية وأنه يستخدم الشارع كورقة ضغط دون تقديم نموذج مؤسساتي واضح و بينما يرى أنصاره أنه الوحيد القادر على مواجهة منظومة الفساد والمحاصصة وأنه يمتلك شجاعة إتخاذ المواقف الصعبة الحقيقة ربما تقع بين الطرفين حيث أن التيار الصدري يمتلك قدرة تعبئة هائلة و لكنه ما زال يواجه تحديات كبيرة في تحويل هذه القوة الشعبية إلى مشروع دولة متكامل ومستقر ومع ذلك فإن تأثير السيد الصدر في المعادلة العراقية قوية جدا سواء أتفق معه المراقبون أم أختلفوا .

و إن مهلة التسعين يوما التي منها سماحة
السيد مقتدى الصدر للحكومة الجديدة ليست مجرد رقم سياسي عابر بل لحظة أختبار حقيقية للنظام السياسي العراقي بأكمله فإن العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حساس إما الإنتقال نحو دولة أكثر قدرة و. على فرض القانون وتحقيق الحد الأدنى من العدالة والخدمات أو البقاء داخل الحلقة المفرغة ذاتها حيث تتكرر الأزمات وتتبدل الوجوه بينما يبقى الخلل البنيوي قائما وقد نجح سماحة السيد مقتدى الصدر،ة من خلال هذه الخطوة في إعادة توجيه الأنظار نحو التيار الصدري بوصفه لاعبا مركزيا لا يمكن تجاوزه حتى وهو خارج السلطة المباشرة.

واليوم زعيم التيار الصدري
سماحة السيد مقتدى الصدر أجري أتصالا هاتفيا مع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي وبارك له تشكيل الحكومة وحثه على الحفاظ على سيادة البلد وتحسين الواقع الخدمي بعد أن رأى منه الهمّة والعزم والإصرار لتحسين الواقع العراقي وكما حثه على الوقوف بحزم لمحاربة الفساد والحفاظ على مقدرات البلد وتأمين العيش الكريم للشعب العراقي كتقديم الخدمات وتلبية احتياجاته وحفظ حقوقه.

وهذا الإتصال هو ورقة سند للحكومة في مواجهة
التحديات الداخلية والخارجية في ظل مهلة 90 يوما.

ويبقى السؤال الأكبر هل تنجح الحكومة خلال التسعين يوما ؟.

و هل يستطيع العراق أن يخرج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة؟.

الجواب هو التحدي الحقيقي و هو التحدي
الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة بأكملها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

"العراق في عين العاصفة

يمثل تكليف علي الزيدي تشكيل حكومته ،لحظة سياسية شديدة الحساسية في تأريخ العراق المعاصر ،إذ جاءت ولادة هذه الحكومة وسط تقاطع ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة ،وفي ظل بيئة إقليمية...

الصين تستقبل ترمب بلغة العقل والجسد

في عالم السياسة، ليست الكلمات وحدها من تصنع الرسائل، بل طريقة الوقوف، ونظرات العيون، وترتيب الاستقبال، وحتى المسافة بين الزعيمين. من هنا، بدا المشهد بين الصين ودونالد ترمب أشبه...

أمريكا هي أس البلاء والحروب والإجرام والتجويع

الخبر: يرى بعض الساسة في لبنان أن أمريكا هي صديقة للبنان، ويرون أنها تريد لهم الخير والمساعدة والإنقاذ مما نحن فيه في لبنان، بل وفي منطقتنا الإسلامية كلها. 🎙️التعليق: في الحقيقة...

نحن لا نتبنى

* في عام ١٩٨٤ ذهبت الي معهد التغذية بشارع القصر العيني بالقاهرة لزيارة مكتبته .. وعندما أردت أن أصور بعض ما أريد من المكتبة ،أشارت مديرة المكتبة إليّ مركز أبحاث أمريكي داخل المعهد...

من يتحمل مسؤولية خطاب سياسي وإعلامي لا يرقى إلى مستوى تضحيات أهل المقاومة وناسها؟

منذ بداية الحرب الأخيرة التي أطلقتها المقاومة في ٢ آذار، كان واضحًا حجم الغياب الإعلامي مقارنة بالحرب الماضية، والتي كان نجمها المظلوم الحاج محمد عفيف، الذي كان فدائياًبكل...

راهبان على الطريق

ما إن تقترب من أعتاب ذلك البيت المتواضع، حتى يتبدّل إحساسك بالمكان من جدرانٍ محدودة إلى فضاءٍ من الطمأنينة، وكأنك تعبر من ضجيج العالم إلى سكينةٍ لا تُفسَّر، بل تُعاش. هناك، في هذا...