على شاطئِ الرملةِ البيضاء، قبلَ نحوِ أربعين عامًا، كان البحرُ ينسجُ صمتَه على الرمل، والموجُ ينسحبُ كأنّه يتركُ للذاكرةِ حقَّ الكلام.
هناك جلسَ علي بغدادي وجورج الحدشيتي، يحتسيان فنجاني قهوةٍ ببطءٍ يشبهُ سكونَ البحر، وكأنّ القهوةَ ليست مشروبًا بقدرِ ما هي لحظةُ حياةٍ تُشرَبُ على مهل.
لم يكن بينهما كثيرُ كلام، لكنّ الصمتَ كان كافيًا ليحكي عن علاقةٍ بدأت ببساطة، ثم اختُبرت على نارِ المواقف.
بدأَ التعرّفُ أثناءَ تعرّضِ جورجَ لاعتداءٍ من بعضِ الأشخاصِ التابعين لإحدى الفصائلِ المهيمنةِ آنذاك، إذ انهالوا عليه ضربًا وتهديدًا، وفرضوا عليه مبلغًا كبيرًا بلغ مئةً وعشرين ألفَ ليرة، وهو مبلغٌ ثقيلٌ في ذلك الزمن.
كان جورجُ محاصرًا بين العجزِ والتهديد، فاستأذن ليذهب إلى بيتِه في الأشرفية، محاولًا تدبيرَ المبلغ وتأمينَه.
لكنَّ عليًّا لم يحتمل رؤيةَ الظلم، فتقدّم وسألهم: “ماذا تريدون منه؟”
قالوا: “عليه مئةٌ وعشرون ألفَ ليرة”.
فقال جورج، دون تردّد: “أنا لا أتهرّب، لكنّي لا أملك شيئًا الآن”.
عندها قال علي: “دعوه وشأنَه، وأنا من سيدفع عنه. ”
استغربوا وسألوه: “الآن؟”
قال: “لا… بعد خمسة أيام. ”
طلبوا ضمانة، فأشار عليّ إلى بيتِه وقال: “هذا بيتي، عين المريسة، الشارع الفلاني… اسألوا عنّي. ”
ولمّا سُئل إن كان يعرف جورج، قال: “لا أعرفه، لكنّي وعدتكم، وأنا عند وعدي.”
عندها تُرك جورج، فاصطحبه علي إلى بيتِه، ووضع له الثلجَ على وجهه يخفّف آثارَ الكدمات، ثم سأله: “لماذا هذا المبلغ؟”
فأجاب جورج بمرارة: “سلبطة… والعذرا والمسيح، أوّل مرّة بِجي لهون وما بعرفهم.”
سأله علي: “ماذا ستفعل؟”
قال جورج: “سأذهب لجلب المال حتى لا تتورّط أنت. ”
ثم أضاف باستغراب: “كيف أدخلتَ نفسك في هذه الورطة؟”
فأجابه علي: “معقول أتركهم يقتلوك؟ لازم نعمل شي. ”
قال جورج: “وإذا ما قدرنا نأمّن المبلغ؟”
فضحك علي وقال: “أبيع البيت. ”
نظر إليه جورج طويلًا وقال: “والله إنك أصيل… بس ما عرفت اسمك”. فقال بهدوء: “اسمي علي. ”
ذهب جورج، وبقي علي شاردًا يفكّر في مخرجٍ يُنهي هذه الأزمة دون ظلم.
وبعد ثلاثة أيام، جاء جورج مصطحبًا أخاه داني وعمَّه جوزاف إلى بيت علي.
سأله جورج ممازحًا: “لتكون فكرتني هربت؟”
فأجابه علي: “وحياتك ما فكّرت بهالشي أبدًا، كلّ اللي عم فكّر فيه كيف ما تدفع هالمبلغ ظلمًا وعدوانًا. ”
وفجأة صاح علي: “وجدتها! ”
ثم قال: “خلّينا نروح هالمشوار. ”
انطلقوا إلى أحد أصحاب النفوذ، وكان يعرف والدَ علي ويحترمه. فلمّا سمع القصّة غضب وقال: لا تدفعوا شيئًا، أنا أتكفّل بالأمر.
وفي موعد الدفع، لم يحضر أحد، وانتهى الأمر دون أن يُدفَع شيء. وبقي السؤال بلا جواب، لكن الحقيقة كانت واضحة: جورج استعاد حقَّه، والظلم لم يُكمل طريقه.
ومرّت الســـــنوات، حتى عــــــاد علي وجـورج، وقد أثقلهما العمر،
ليجلسا من جديد على شاطئ الرملة البيضاء، يحتسيان القهوة ذاتها، لكن بذاكرةٍ أثقل وقلوبٍ أهدأ.
لم يعودا مجرّد صديقين، بل صار بينهما معنىً أعمق من الصداقة: وفاء، وشهامة، وإنسانية، في زمنٍ كان يمكن فيه للانقسام أن يبتلع كلَّ شيء.
وعلى صوت الموج، بقيت الحكاية كما هي: رجلان، وفنجان قهوة، وذاكرةُ بلدٍ تعلّم أن الإنسان يمكن أن ينتصر على كلِّ شيء… إذا اختار أن يكون إنسانًا.


