هذا الجنرال الاميركي هو من صقور الحرب الأميركية على العراق.
لكن عودة باتريوس إلى العراق ليس بصفته قائدا عسكريا يحمل خرائط الغزو، كما فعل في العام 2003. بل بوصفه رجل الظل الذي تستدعيه أميركا كلما شعرت أن العراق يقترب من لحظة أنفجار سياسي إقليمي ،أو أنهيار داخلي.
فزيارة باتريوس إلى العراق هذا الشهر، لم تكن بروتوكولية، ولم تكن مجرد جولة مجاملة سياسية.. بل بدأت أقرب إلى عملية جس نبض شاملة للدولة العراقية الجديدة ،ولموازين القوى داخلها ولمدى أستعداد بغداد للدخول في مرحلة إعادة ترتيب النفوذ الأميركي في المنطقة .
و اللافت أن توقيت الزيارة جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، مع تصاعد التوتر الأميركي _ الإيراني و حديث متزايد عن إعادة ضبط العلاقة مع الفصائل المقاومة و مخاوف من حرب إقليمية واسعة ،وضغط أميركي متنامي لإعادة تعريف الدولة العراقية في وصفها دولة ذات سيادة لا ساحة نفوذ إيراني مفتوحة.
( لاحظوا ان الزيارة اتت مع قرب اتفاق إيراني – أميركي قد يتم الإعلان عنه قريباً لوقف حرب ضروس بينهما استمرت على مراحل )
وهنا تحديدا يظهر إسم ديفيد باتريوس من جديد،
ولماذا باتريوس تحديدا ؟. لأن الرجل ليس مجرد جنرال متقاعد، إنه أحد أكثر الشخصيات الأميركية الأكثر فهما للبنية العراقية المعقدة، سواء على المستوى الأمني أو العشائري أو الطائفي أو الأستخباري ..و هو مهندس إستراتيجية قوات الصحوات التي نجحت مؤقتا في تحجيم تنظيم القاعدة الإرعابي بعد العام 2007. وهو أيضا أحد أبرز العقول التي أدارت مشروع إعادة تشكيل الدولة العراقية ،بعد الإحتلال الأميركي .
في أميركا ينظر إلى باتريوس بأعتباره أرشيفاً حيا للعراق ..و يعرف الشخصيات وشبكات النفوذ و العلاقات المتشابكة بين القوى و الأحزاب والفصائل والمرجعيات والقوى الإقليمية.. ولذلك عندما تعود أميركا للتفكير في العراق كملف أمني إستراتيجي يعود ديفيد باتريوس تلقائيا إلى المشهد.
هنا و هل عاد باتريوس لمواجهة إيران؟
الإجابة الأقرب نعم ولكن بطريقة مختلفة حيث أن
الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تفكر بمنطق الحرب المباشرة مع إيران داخل العراق ،و كما حدث في سنوات الفوضى الطائفية ..بل باتت تتحرك بمنطق تفكيك النفوذ تدريجيا عبر أدوات سياسية و إقتصادية وأمنية ناعمة، و هنا تقول تقارير إعلامية عربية تحدثت بوضوح عن أن أميركا أستعانت بباتريوس لصياغة خارطة طريق تتعلق بمستقبل الفصائل العراقية ،والحشد الشعبي و تتضمن إعادة الهيكلية ونزع السلاح التدريجي ،وإبعاد بعض القيادات المرتبطة و مباشرة بإيران ،و قد تبدو هذه التقارير مبالغا فيها جزئيا، و لكن مجرد تداولها يعكس حقيقة مهمة : فديفيد باتريوس عاد مرتبطا مجددا بملف ضبط السلاح خارج الدولة.. وهذا بحد ذاته رسالة سياسية.
أميركا تغير الإستراتيجية في العراق ،حيث في العام 2003 ،دخلت أميركا العراق بالدبابات ،أما اليوم فهي تحاول العودة عبر إعادة بناء المؤسسة الأمنية و دعم الحكومة المركزية الأكثر تماسكا ،و تقليص نفوذ الفصائل المقاومة ،و منع العراق من التحول إلى منصة إيرانية كاملة و حماية المصالح الأميركية النفطية والعسكرية ،و منع الصين و روسيا من ملء الفراغ حيث الفرق أن أميركا تعلم الآن أن الإحتلال المباشر إنتهى ،وأن أي حضور أميركي جديد يجب أن يكون ذكيا ومرنا، وأقل دموية . ولهذا تحتاج إلى شخص مثل ديفيد باتريوس، يجمع بين الخبرة العسكرية و العلاقات الأستخبارية و القدرة على التفاوض ،وفهم البنية الإجتماعية العراقية.
حيث أن العراق اليوم ليس عراق العام 2007. و لكن المشكلة الأساسية التي قد تصطدم بها أي خطة أميركية، هي أن العراق تغير كثيرا في زمن ديفيد باتريوس الأول ،حيث كانت أميركا هي القوة المهيمنة بالكامل وكانت إيران لا تزال تبني نفوذها تدريجيا ،و كانت الدولة العراقية ضعيفة و منهارة.
أما اليوم فالنفوذ الإيراني متجذر داخل مؤسسات الدولة، والفصائل المقاومة أصبحت جزءا من المعادلة السياسية ..و الأقتصاد العراقي مرتبط بشبكات مصالح عابرة للأحزاب ،و الشارع العراقي نفسه بات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للاستقطاب الأميركي المباشر، ولهذا فإن أي محاولة أميركية لإعادة هندسة العراق ستواجه مقاومة سياسية هائلة ،حتى من أطراف لا تصنف في الضرورة كحلفاء لإيران.
وهنا نقول هل تخشى أميركا أنهيار العراق؟. بوضوح نعم حيث أن الولايات المتحدة الأميركية، تدرك أن أنهيار العراق اليوم لن يبقى داخل حدوده، بل سيؤدي إلى أنفجار أمني إقليمي و تهديد خطوط الطاقة و تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة و تمدد النفوذ الإيراني أكثر، و ربما عودة التنظيمات الإرعابية بشكل جديد، ولهذا أصبحت أميركا تنظر إلى أستقرار العراق باعتباره جزءا من الأمن الإقليمي ،وليس مجرد ملف محلي وأن تصريحات المسؤولين العراقيين و الأوروبيين خلال الأشهر الماضية تحدثت بوضوح عن مخاوف من أشتعال المنطقة بسبب التصعيد الأميركي _ الإيراني.
ومن هنا يمكن فهم زيارة ديفيد باتريوس باعتبارها جزءا من عملية إستباقية لمنع الأنهيار الكبير.
و هنا نتساءل :
هل العراق مقبل على صفقة كبرى
طبعا الأحتمال وارد جدا، حيث ان هناك مؤشرات على أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد مواجهة شاملة داخل العراق ،بل تسوية طويلة المدى تقوم على دمج بعض الفصائل و إضعاف الفصائل المقاومة الأكثر أرتباطات بإيران.
و تعزيز الجيش والمؤسسات الرسمية وخلق توازن جديد بين بغداد وواشنطن وطهران ..و لكن المشكلة هي أن العراق تأريخيا كان ساحة لتصفية الحسابات ،و لا لصناعة التسويات المستقرة ،ولهذا قد يتحول أي مشروع إعادة ترتيب إلى صراع داخلي بطيء ومفتوح.
وهنا ما هو الذي يريده باتريوس فعلا؟ يريد على الأرجح لا ان يبحث عن إنقاذ العراق بالمفهوم الرومانسي،
بل يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أميركية واضحة
وهو منع العراق من السقوط الكامل في المحور الإيراني ،و حماية التوازن الأمني في المنطقة ،و ضمان بقاء النفوذ الأميركي داخل مؤسسات الدولة العراقية ،و أما الحديث عن الديمقراطية والإصلاح فهو يأتي غالبا كغطاء سياسي وأخلاقي للمصالح الإستراتيجية الأكبر.
و أن عودة ديفيد باتريوس تعني أن العراق عاد إلى الطاولة الأميركية ،وحين يعود إسم باتريوس إلى العراق ،فهذا لا يعني أن واشنطن تفتقد الجنرالات فقط ،بل يعني أن العراق عاد مجددا إلى قلب الحسابات الكبرى حيث أن العراق بالنسبة للأمريكيين ليس مجرد دولة نفطية بل عقدة جغرافية بين إيران و الخليج العربي و سورية و تركيا
وطرق الطاقة العالمية ،لذا فإن ظهور باتريوس من جديد ليس حدثا عابرا بل هو إشارة إلى أن مرحلة جديدة تطبخ بهدوء داخل العراق، وهي مرحلة قد لا تشبه الإحتلال الأميركي القديم و لكنها بالتأكيد تحمل مشروعا جديدا لإعادة تشكيل التوازنات .
و ربما إعادة تشكيل العراق نفسه.


