يمكن للمتابع أن يقول الكثير في نتائج المعركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وهي المعركة التي بدأت آخر فصولها في 28 / 2 / 2026، والتي لم تنته حتى الآن رغم أنها دخلت مرحلة وقف المعارك والتفاوض لمدة ستين يوما في 18 / 6 / 2026
الولايات المتحدة أسمتها “الغضب الملحمي”، وإسرائيل أسمتها “زئير الأسد”، وأعطت إيران ردها اسم “الوعد الصادق4”.
وقد يكون من المبكر إعطاء تقييم نهائي لهذه المعركة الممتدة، والتي كان قد سبقها هجوم دام استهدف إيران في 13 / 6 / 2025 واستمر لمدة 12 يوما. لكن هناك حقائق باتت واضحة وراسخة ولا أظن أنها ستتغير مهما كانت تطورات المستقبل.
٠الحقيقة الأولى: أن ما تم من هجوم “أمريكي ـ إسرائيلي” على إيران هو عدوان، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، عدوان لا يبرره شيء، وهذا وصفه بكل اللغات، والشرائع، والقوانين، عدوان قامت به الولايات المتحدة وإسرائيل لأغراضهما الخاصة والتي تتخلص ببسط هيمنتهما على إيران والمنطقة، وإنهاء حالة التنافس التي كانت قائمة بين الطرفين في السيطرة عليها.
وقد استخدمت الولايات المتحدة وتابعتها كل أصناف وأسلحة القوة القاهرة باستثناء السلاح النووي في محاولة للوصل بهذا العدوان إلى أهدافه المعلنة. لم توفر أي سلاح، ولم يردعها أي قانون، ولم تأخذ بحسبانها أي اعتبارات إنسانية، أو حضارية، أو حياتية، بل إن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن الإبادة، والمحو من الخارطة، ذهبت مذاهب لم يسبق أن ذهب إليها حتى النازيون في عتو قوتهم، ولم ينافسه فيما ذهب إليه إلا أقصى اليمين الإسرائيلي الحاكم.
٠الحقيقة الثانية: أنه في هذا العدوان ظهر واضحا بطريقة لا تترك مجالا للشك أو الغموض أن الكيان الصهيوني جزء من الإرادة والرؤية الأمريكية في الهيمنة على المنطقة، وأن الطموحات الإسرائيلية الخاصة تمثل جزءا من الرؤية الأمريكية لمنطقتنا، ولوجودنا.
إن “إسرائيل” ظهرت على حقيقتها، فهي ليست دولة تبحث عن الاستقرار والتعاون والقبول الإقليمي، وإنما هي “كيان عدواني وظيفي”، كيان يتبع القوة الإمبريالية العظمى ينفذ ويحقق أغراضها، ويستند إليها في حمايته وتأمينه، ودعمه في مواجهة كل المتغيرات. وهذه هي الوظيفة الرئيسية لهذا الكيان منذ أن كان مشروعا في أوراق ومخططات الدول الاستعمارية في تلك المرحلة.
٠الحقيقة الثالثة: أن هذا الحلف العدواني الأمريكي الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه من هذا العدوان، وقد حددت واشنطن منذ البداية هذا الهدف بإسقاط النظام، وتفكيك برنامجه النووي، والاستيلاء على مكونات هذا البرنامج، والسيطرة على النفط الإيراني. كذلك فشل في إيجاد قوة سياسية معتبرة تكون أداته في الداخل الإيراني، غير ما حققه عبر الاختراق بالعملاء وظهر أنهم كثر، وقد وصلوا إلى أعلى المستويات، وفشله الذي نشير إليه بات واضحا وضوحا لا يخفى.
فقد حقق النظام الإيراني صمودا مذهلا على الرغم من الخسائر الهائلة التي مُني بها، سواء على مستوى مقتل قياداته العليا، أو على مستوى التدمير الهائل للبنى الاقتصادية والإنتاجية في البلاد، أو على مستوى الآثار الخطيرة للحصار المستمر على البلاد. فلم يسقط النظام، ولم يشهد المجتمع الإيراني تمردا داخليا، ولم يشهد فراغا في بنية السلطة، وأمكنه أن يجدد ويرمم بنيته القيادية بكفاءة، وظهر أن ما كان يقال عن مراهنات على المعارضة الداخلية كانت مجرد أوهام، وأنه مع وجود العدوان الخارجي لم تعد هناك أي مساحة حقيقية لتحرك المعارضة الموجودة بالفعل، لكن هذا العدوان حيدها فعليا، وأبطل فاعليتها، فبدت عاجزة عن فعل أي شيء، لأن كل فعل سيوضع اجتماعيا في خانة التحالف مع العدو، وخيانة الوطن.
٠الحقيقة الرابعة: أن المعارك التي تفجرت نتيجة هذا العدوان كشفت بوضوح أن دور القواعد والانتشار الأمريكي في المنطقة كقوة حماية، كان خديعة كبيرة، إذ لم تستطع هذه القواعد أن تقدم أي حماية للدول الإقليمية المجاورة التي انتشرت فيها، بل إن هذه القواعد باتت هي بنفسها بحاجة إلى الحماية، وبذلك تحولت من ” عنصر حماية وأمن” إلى عبء على هذه الدول، ومصدر خطر حقيقي عليها. وعلى سلامتها الوطنية.
وهذه الحقيقة استعادت حقيقة كانت مغيبة وهي أن أمن الدول والإقليم رهن بتعاون وتكاتف دول هذا الإقليم، بعد أن تضع هذه الدول فيما بينها رؤية مشتركة تحفظ مصالحها، وتنمي قدراتها على التنمية والاستقرار والتقدم. وأن أي قوة خارجية لن تستطيع أن تقدم لهذه الدول شيئا حقيقيا في مجال الأمن، لأن الدول الخارجية إنما تأتي بحثا عن مصالحها وأمنها، وفق رؤيتها هي، ووفق خططها وبرامجها.
٠الحقيقة الخامسة: أن هذه المعركة أثبتت أن حقائق “الجغرافيا السياسية”، وما تقدمه من إمكانات وفرص، أقوى بكثير وأرسخ مما تستطيع فرضه القوة الطارئة مهما وصل مداها.
لم تستطع أمريكا أن تلغي “مكانة، وتأثير، ودور” إيران في محيطها الإقليمي، وكشفت هذه الحرب الطاغية على إيران أن هناك أوراق قوة هائلة تملكها الدول إن أحسنت التعامل مع ما تقدمه الجغرافيا السياسية من مميزات، لقد كان مضيق هرمز ذو أثر خطير وعميق ليس على الولايات المتحدة وقواتها المنتشرة، وإنما على العالم بأسره، وبحكم الجغرافيا السياسية وضعت سيطرة إيران على هذا المضيق واستخدامه في معركتها الراهنة اقتصاد العالم في مهب الريح، ونستطيع أن نقول دون تحفظ إن كل شخص على أرض هذه البسيطة دفع ويدفع من دخله المباشر ومن وثروته ثمن هذا العدوان عبر انفلات الأسعار، والتضخم الذي اجتاح كل شيء، وشبح الركود الاقتصادي الذي بات يزحف تدريجيا على اقتصاديات ومجتمعات عدة.
ولا ينظر إلى مكانة وأثر المضيق باعتباره مسارا لنقل 20% من نفط العالم “أمن الطاقة”، وللتبادل التجاري فحسب، وهو ما تأثر بشدة بعدما أغلقت إيران هذا الممر، وإنما أيضا باعتباره مسارا للكابلات البحرية ” الإنترنيت” التي تربط الشرق الأوسط وآسيا وأروبا بشبكات الألياف الضوئية البحرية، مما يؤدي مما يؤدي في حال استخدامه كسلاح في هذه المعركة إلى إرباك شديد وأزمة عميقة، مكلفة ماديا وأمنيا في حركة التبادل التجاري والمالي والاتصالات والتقانة… الخ.
٠الحقيقة السادسة: أن القوة الطاغية المتجردة من المبادئ والقيم الأخلاقية، والتي تمثلها هنا الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عاجزة عن تحقيق انتصار حقيقي مستقر. قبل هذه الحرب على إيران كان ذلك العدوان المستمر والإرعابي على غزة، ثم على لبنان، والنتيجة في كل تلك الحروب واحدة، الفشل في تحقيق أهداف تلك الاعتداءات، وتحولها إلى سجل من جرائم الحرب، وإظهار المزيد من الطبيعية العنصرية الإرعابية لدول العدوان.
والمتابع لمسار المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الجارية في سويسرا سيكتشف أنه على عكس المواجهات في ساحات المعركة، فإن المفاوض الأمريكي كان في جانب العجز، والمفاوض الإيراني كان الأقدر على أن يسجل نقاطا إيجابية لصالح بلاده.
بالمفاوضات باتت إيران جزءا أساسيا معترفا به في معادلة المنطقة: في أمن مضيق هرمز، في لبنان، في التعويض وإعادة الإعمار، وفي التعامل مع العقوبات، في أمن المنطقة وتحالفاتها، وحتى في الملف النووي.
وعكست النتائج المعلنة للمفاوضات براعة المفاوض الإيراني وصبره، واستناده إلى الصمود الهائل للمجتمع الإيراني، مقابل مفاوض أمريكي يستند الى رئيس نرجسي غير متزن، وغير مستقر، يستخدم الأوصاف والعبارات كأدوات إثارة لتمرير صفقة ينتظرها، وليست كمفاهيم تعبر عن معان وقيم يلتزمها. وبالتالي فإن كل ما يقوله لا يمكن أن يمثل قاعدة يبنى عليها، ولا أساسا يستند إليه، ولا يمكن أن يحقق تراكما في إنجازات يمكن تطويرها، وسارت هذه المفاوضات وتسير في أجواء من الاضطراب في المجتمع الدولي، اضطراب يُحمل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني نتائج ما ولدته هذه الحرب من آثار مدمرة في حياة الناس الدول والمجتمعات.
٠الحقيقة السابعة: وهي تخص الملف النووي الإيراني، فقد قيل الكثير عن هذا الملف، وثبت بشكل قاطع أن واشنطن عجزت بالقوة القاهرة عن تدمير الطاقات النووية لإيران ،على الرغم من محاولاتها المجنونة لتحقيق هذا الهدف “غير الأخلاقي”، ولم يكن هذا العجز غير متوقع، وعجزت عن الوصول إلى المخزون النووي للمواد المخصبة، والاستيلاء عليه، وبالتأكيد هي عاجزة عن فرض نقل هذا المخزون إلى طرف دولي ثالث، فليس هناك طرف دولي محل ثقة يمكن أن ينقل إليه هذا المخزون، وليس أمام واشنطن إلا الاكتفاء بما تقدمة طهران من تعهدات، وبما توفره وكالة الطاقة الذرية من تحقيقات، وهذه النتيجة تعيد جوهر الملف النووي الإيراني إلى مكانه الأول، أي أن مسار ترامب في نقض الاتفاق النووي مع طهران لم يكن مسارا موفقا، ولم يعط النتيجة المرجوة منه أمريكيا وإسرائيليا.
والحق أن التعامل الأمريكي والغربي عموما مع الملف النووي الإيراني يفتقد إلى الأساس “الأخلاقي”، إذ كيف يمكن الطلب من طهران ألا تكون نووية، و” إسرائيل” دولة مدججة بالسلاح النووي، وهي ذراع أمريكا في المنطقة، وقدمت معركة الولايات المتحدة الراهنة مع إيران الدليل الحاسم والقاطع الإضافي على هذه العلاقة. ثم من قال إن الحد من الانتشار النووي بهذه الطريقة، وعبر هذه المظلة الدولية يدعم الأمن والسلام الدوليين.
إن تاريخ التعامل مع السلاح النووي يظهر أن فرضية “الحد من الانتشار النووي باعتبارها مدخلا للسلام”، فرضية تحتاج إلى مراجعة جدية، وأخلاقية، تستحضر مصلحة المجتمع الإنساني وأمنه، كما تستحضر دروس تاريخ السلاح النووي في هذا المجال.
فحين كان هذا السلاح بيد دولة واحدة هي الولايات المتحدة استخدم مرتين في هيروشيما وناغازاكي، ودون مبرر حقيقي، ثم تعطل استخدام هذا السلاح بفعل امتلاك السوفييت عام 1949 له، وكان هذا التطور سببا في إحجام واشنطن عن استخدامه في الحرب الكورية مطلع الخمسينات من القرن الماضي، ووجود السلاح النووي عند طرفي النزاع في شبه القارة الهندية جعل للصراع بين الهند وباكستان حدودا لا يتجاوزها، كذلك فإن امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي منع واشنطن من التفكير باجتياحها كما فعلت مع العراق، ثم لو أن بلدا عربيا يمتلك سلاحا نوويا، كما تمتلك “دولة الكيان” أكان متاحا لهذا الكيان أن يفعل ما يفعله من جرائم يدينها القانون الدولي، وتعتبر بأبسط العبارات جرائم حرب وتهجير وإبادة ، وجرائم ضد الإنسانية.
ملف البرامج النووية والأسلحة النووية ملف خطر يجب معالجته بطريقة موضوعية وأخلاقية، تضع أمن العالم وسلامه في بؤرة الاهتمام، وليس تطلع الدول العظمى للهيمنة ولتحقيق مصالحها، ولسيطرتها على العالم.
٠الحقيقة الثامنة: لا أدري إن كانت هذه الحقيقة هي كذلك في نظر البعض، لكني أراها حقيقة مؤكدة بوضوح، إن العدوان “الإسرائيلي ـ الأمريكي” على إيران ونتائجه أسقط مسار “الاتفاقات الإبراهيمية”، وجعله شيئا من مخلفات مرحلة سابقة، فإذا كانت الولايات المتحدة ب”جلالة قدرها”، ومعها الكيان الصهيوني لم تستطع بالقوة الغاشمة أن تحقق أي انتصار، أو أن تفرض أن رؤية في المنطقة، أو أن توفر أي حماية لأي دولة من دول الإقليم، فكيف لمثل تلك الاتفاقيات أن تحقق ذلك؟
وإذا كانت هذه الحقيقة صحيحة ـ وهي عندي كذلك ـ فيصبح الابتعاد عن مثل هذه الصفقات “ضرورة أمان ذاتي” لأي نظام أو قوة سياسية قبل أن تكون ضرورة وطنية أو قومية.
وهنا يجب تسجيل أن فشل العدوان على إيران في تحقيق أهدافه يمثل نتيجة إيجابية لقوى التحرر في المنطقة ولمشاريعها في البناء والتقدم، هذا الفشل يقدم خيرا ومكسبا لسورية وفلسطين ولبنان والعراق وتركيا ومصر والسعودية ولدول الخليج … الخ، بل ولكل الدول الأخرى. وهذه نتيجة يمكن أن يبنى عليها، أو يجب أن يبنى عليها، وستكون دول المنطقة بما فيها إيران مسؤولة عن توفير فرص بناء ما يجب أن يبنى على هذه النتيجة.
ولعل الجانب الإسرائيلي هو أكثر من شعر بهذه النتيجة، وعرف أنه أصبح أبعد عن متابعة مسار “الاتفاقات الإبراهيمية” من أي فترة مضت، ولعل احتفاء تل أبيب بإقامة علاقات دبلوماسية مع ما يدعى بدولة أرض الصومال ” صوماليلاند”، وهي ليست أكثر من إقليم مارق لا يعترف به أحد يقدم دليلا واضحا على العزلة التي باتت “تل أبيب” تشعر أنها تحيط بها من كل جانب.
٠الحقيقة التاسعة: وهي حقيقة مؤلمة، يجب الانتباه إليها، وإعطاءها الوزن الحقيقي في رؤية وتحليل الوضع الراهن، والمستقبلي، وهي أن المزاج العام: مزاج ” الشعوب والدول والنظم” في منطقتنا لم يكن مع إيران رغم وضوح أنها تتلقى عدوانا صارخا من دول غاشمة هي بالتحديد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وهذه حالة غير مسبوقة. وهذه الحقيقة تستدعي من إيران على وجه الخصوص أن تدرس هذه الوضع، وأن تدرك دواعيه، وأن تدرك دورها في تكوين هذا الواقع.
إن استقرار المنطقة وأمنها وتقدمها يتطلب وجودا حقيقيا لإيران في إطار منظومة إقليمية تمثل مصالح وتطلعات دول الإقليم، وتجمع تحت لوائها دوله وشعوبه، ويقود هذه المنظومة تحالف يضم إضافة إلى إيران كل من تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية. ويمكن أن تقف دول أخرى عديدة عربية وغير عربية داعمة ومؤيدة لهذا التجمع، هذا التصور ضروري لاستقرار المنطقة وأمنها وتقدمها، لكنه غير ممكن مالم تتم معالجة الأسباب التي جعلت المزاج العام العربي في موقف الضد من إيران حتى وهي في هذه المعركة، حتى وهي تتعرض للعدوان من عدو حقيقي لأمتنا ومستقبلنا.
إن تفسير هذا الموقف العربي شبه العام يرجع إلى ما فعلته إيران في المنطقة والمجتمعات العربية على مدى العقود الماضية، والذي أجج الروح الطائفية في هذه البلدان، وأوغل في الدم الوطني في سورية والعراق ولبنان واليمن، وغيرهم، وأوجد شرخا ما كان له وجود إطلاقا، وبات شعار” لن تسبى زينب مرة أخرى”، وشعار أن “أربع عواصم عربية باتت تابعة لطهران”. هو المعبر عن الرؤية البغيضة للنظام الإيراني تجاه المجتمع العربي، وعمل على نشر الفساد والخراب ودعم أنظمة الاستبداد والطائفية في سورية والعراق.
وإيران التي نريد ونحتاج، مطالبة أن تغادر هذا المنطق وهذه السياسات، وهذا الفكر، وتتجه إلى شاطئ آخر يعيد جمعها مع شعوب المنطقة ودولها لتأخذ دورها ومكانتها في بناء وحماية ودعم استقرار المنطقة وتقدمها وسلامتها.
والآن هناك فرصة لتحقيق هذا الهدف إن جعلته إيران هدفا حقيقيا لها، وهي بالتأكيد بحاجة حقيقية له:
** هناك تطلع وحاجة سورية، وكذلك عراقية، ولبنانية، ويمنية، لخروج الدولة الإيرانية من ذلك المنطق، والالتحاق بمنطق التعاون بين شعوب المنطقة لتحقيق أمنها وسلامتها. هذه فرصة لإيران يمكن الوقوف عندها بتفصيل وكشف كل مظاهرها وتجلياتها، لكن في غير هذا المكان، ويكفي هنا الإشارة إلى النافذة التي فتحها الرئيس السوري أحمد الشرع بوعي وبدقة وبمسؤولية في هذا الجانب حين تحدث في 21 / 6 / 2026عن فرص العلاقة مع “حزب الله في لبنان ومع إيران”.
والرئيس السوري يقول هذا الرأي، ويعلنه في أكثر الأوقات دقة وحرجا على المستويين الداخلي والدولي، وهو يدرك أكثر من غيره حجم وعمق الجرح الذي أحدثه الدور والسلوك الإيراني في المجتمع السوري. وما ارتكبه الإيرانيون والميليشيات التابعة لهم من جرائم ومجازر في سورية ، وما بثوه من قيم ومفاهيم تخريبية لتفتيت وتخريب التماسك الوطني في المجتمع السوري.
** وهناك فرصة أمام القيادة الإيرانية للخروج من أسر “نظرية ولاية الفقيه” التي حولت إيران إلى ” دولة إمبريالية”، تفترض بنفسها تمثيل كل الشيعة في العالم، وتضع طائفيا كل “السنة” هدفا لنشاطها وتطلعها، باعتبار هؤلاء ” قطيعاً شارداً لابد من استعادته”. إيران مطالبة أن تغادر هذا المكان الذي تحصنت فيه منذ زمن الخميني، ومن ثم الخامنئي.
ليس مطلوبا من أحد التخلي عن مذهبه أو طائفته، لكن المطلوب وبحسم التراجع عن تحويل المذهب إلى مذهبية، والطائفة إلى طائفية، وجعل ذلك كله سلوكا وأداة تفريق وتمزيق وتلاعب بالوحدة الوطنية والانتماء الوطني.
والآن هذا مطلوب من النظام الإيراني، وهذا الوقت بالذات وقته، وفرصته، ففيه معالجة للوضع الداخلي الإيراني، وفيه استعادة إيران لموقعها في إطارها الإقليمي، وفيه تمكين للأمن الإقليمي والقومي لدول المنطقة دون خوف أو حذر.
أتمنى أن يدرس هذا المقال بعناية، باعتباره يتضمن أمرين اثنين:
** حقائق تتصل بقرارات تأميم وسيطرة للدولة على قطاعات أساسية في الاقتصاد تمتاز بأنها قطاعات قادرة تحقيق التوجيه اللازم لمجمل الاقتصاد الوطني.
** وجهة نظر في التنمية. وفي دوافع هذا التأميم والاستحواذ، واعتبار ذلك ملمحا رئيسيا من ملامح تطور الفكر الاقتصادي في العالم خلال المئة عام الماضية، ويبدو لي أن هذا التوجه ” تدخل الدولة في السيطرة على الاقتصاد،”يتعزز باستمرار وإن ظهر بأشكال ومسميات جديدة.
وأتمنى أن أسمع إلى وجهات النظر في هذا الطرح. وهذه الرؤية


