الشائع في الكتابات السياسية والدراسات الاجتماعية أن عهد الانسان بالوثائق والشرائع التي بلورت حقوقه أو تحدثت عنها ، مقننة لها قد بدأ بالثورة الفرنسية سنة 1789 م فلقد وضع أمانويل جوزيف سيبس وثيقة حقوق الانسان ، التي أقرتها الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية وأصدرتها كإعلان تاريخي ووثيقة سياسية واجتماعية ثورية في 26 آب سنة 1789 م … ثم دخلت هذه الوثيقة كمقدمة في الدستور الفرنسي – دستور الثورة – الذي صدر في سنة 1791 م .
والمصادر الأساسية لهذه الوثيقة هي نظريات المفكر الفرنسي جان جاك روسو ( 1712 – 1778م ) وإعلان الاستقلال الأميركي الصادر في 4 تموز سنة 1776 م التي كتبها توماس جيفرسون (1743 – 1826 ) م .. وقد نصت هذه الوثيقة على حقوق الإنسان ( الطبيعية ) من مثل حقه في الحرية والأمن والملكية وسيادة الشعب كمصدر للسلطات في المجتمع ، وسيادة القانون كمظهر لإرادة الأمة …
وقد فعلت هذه الوثيقة فعل السحر في الحركات الثورية والإصلاحية ، سواء في أوروبا أو خارجها ، منذ ذلك التاريخ حتى جاء دور تدويلها ، فدخلت مضامينها في ميثاق عصبة الأمم المتحدة سنة 1920 م ، وميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 م .. ثم أفردت دولياً بوثيقة خاصة هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” الذي أقرته الأمم المتحدة في 10 كانون أول 1948 م .
ذلك هو التاريخ الشائع لنشأة مواثيق حقوق الإنسان … وهو تاريخ إذا تأملناه وجدناه التاريخ الأوروبي لحقوق الإنسان ! .. فليس فيه قليل أو كثير عن الفكر والشرائع التي عرفتها حضارات قديمة وكثيرة غير أوروبية عن حقوق الإنسان ! …
وقد شهدنا في العقود الأخيرة ، وكمظهر من مظاهر الصحوة الإسلامية ، وبحث أمتنا عن ذاتها في تراثها وحضارتها وفي فكريتها الإسلامية على وجه الخصوص .. شهدنا كتابات طيبة وجيدة تُبرز حديث الإسلام وسبقه في التقنين لحقوق الإنسان ، وهو ميدان خصب لا زال ينتظر الكثير من الجهود التي يمكن أن تسلح إنساننا ضد الاستبداد ، من جهة وتثري الفكر الإنساني الخاص بهذه القضية ، من جهة أخرى ، وتنصف حضارتنا العربية الإسلامية ، والدين الإسلامي من جهة ثالثة …
لكن يبدوا أن هذه الجهود الفكرية الإسلامية التي بذلت وتبذل في دراسة وبلورة حقوق الإنسان في الإسلام ، رغم تحليها بفضيلة إبراز الذاتية الإسلامية المتميزة في هذا الميدان …. نراها قد تبنت ذات المصطلح الذي وضعه الأوروبيون لهذا المبحث … مصطلح الحقوق .. على حين – وهذا ما نعتقده ، ونعتقد بأهميته – نجد الإسلام قد بلغ في الإيمان بالإنسان وفي تقديس حقوقه الى الحد الذي تجاوز بها مرتبة الحقوق فأدخلها في إطار ” الواجبات ” ! فالمأكل والملبس والمسكن والأمن والحرية في الفكر والاعتقاد … في نظر الإسلام ليست فقط حقوقاً للإنسان من حقه أن يطلبها ويسعى في سبيلها ويتمسك بالحصول عليها ويحرم صده عن طلبها .. وإنما هي واجبات لهذا الانسان … بل و” واجبات عليه أيضاً ” ،
إن هذه الأمور في نظر الإسلام هي ” ضرورات ” إنسانية لا سبيل الى حياة الانسان بدونها … والحفاظ على الحياة ليس مجرد ” حق ” للإنسان بل هو واجب عليه أيضاً … يأثم هو ذاته إذا هو فرط فيه ، وذلك فضلاً عن الإثم الذي يلحق كل من يحول بين الإنسان وبين تحقيق هذه الحياة ” … ! .
بل إن الإسلام ليبلغ في تقديس هذه ” الضرورات الواجبة ” الى الحد الذي يراها الأساس الذي يستحيل قيام الدين بدون توفرها للإنسان المؤمن … فصلاح أمر الدين – كما يقول الإمام الغزالي ( 450 505 ) هجرية و( 1058 – 1111 م ) مستحيل بدون صلاح أمر الدنيا … فتوافر ضرورات المأكل والمسكن والملبس والأمن للإنسان شرط ضروري للعلم والعمل الذي هو الدين ، وليس ( المأكل والملبس والمسكن والأمن هي وحدها ” الضرورات الواجبة ) التي رفعها الإسلام من مرتبة ” الحقوق الإنسانية ” الى مرتبة الواجبات .. بل وكذلك العلم فهو فرض وواجب على الإنسان … فرض عين ذاتي في أمور .. وفرض كفاية جماعي يلزم الأمة متكافلة كمجموع في أمور أخرى .. !
والثورة … أي التغيير بالعنف الثوري لمجتمعات الظلم والجور والفساد ، والموقف الإيجابي الفعال تجاه ما يطرأ على المجتمع والحياة من منكر وانحراف عن جادة الصواب ونهج العدل الإسلامي … هذه الثورة ليست مجرد حق للإنسان … وإنما هي واجب عليه يأثم كفرد وكجماعة إذا هو تخلى عن ممارستها واللجوء اليها عندما تصبح الأمور ضرورة من الضرورات ..
هكذا بلغ الإسلام بالإنسان ما لم تبلغه شريعة من الشرائع ولا ثورة من الثورات ولا أيديولوجية من الأيديولوجيات … فما اعتبره الآخرون ” حقوقاً ” لهذا الانسان قررها له الإسلام ” كواجبات ” .. وذلك فضلاً عن فروق نوعية جعلت وتجعل هذا المبحث في الفكر الإسلامي أكثر تقدماً وغنى وثراء .. الأمر الذي يعطي البحث أهمية قصوى … ويعطي النضال في سبيل الممارسة والتطبيق لهذه ” الواجبات الإنسانية ” بواقعنا أهمية أكثر من مجرد الوقوف عند الأفكار والأبحاث .


