ليس مستغربًا أن تختلف الأمم في رؤيتها للسياسة أو الاقتصاد أو أنماط الحياة، غير أن الخطورة تبلغ ذروتها عندما يمتد الاختلاف إلى أصل الوجود الإنساني، فتغدو الحياة نفسها محلَّ تصويت، ويصبح الموت خيارًا تمنحه الدولة بقوة القانون.
إن إقرار البرلمان الفرنسي قانون “الموت الرحيم” يمثل محطة خطيرة في مسار الحضارة الغربية، لأنه يكشف عن تحوّل فلسفي وأخلاقي عميق، ويطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: كيف وصلت دولٌ تتصدر المشهد العالمي في الدفاع عن حقوق الإنسان إلى تشريع يجيز إنهاء حياة الإنسان؟
هذا السؤال يزداد إلحاحًا عندما نتذكر أن الحق في الحياة هو أول الحقوق وأقدسها، وأن جميع المواثيق الدولية قامت، نظريًا، على صيانة الإنسان وحماية وجوده. فإذا أصبح هذا الحق نفسه خاضعًا للأغلبية البرلمانية، فأيُّ حقٍّ يبقى بعد ذلك بمنأى عن التغيير؟
إن أخطر ما في هذا القانون أنه لا يغيّر نصًا تشريعيًا فحسب، وإنما يعيد صياغة مفهوم الإنسان. فالفكر المادي، بعد أن أبعد الوحي عن الحياة، جرّد الإنسان من قدسيته، ثم حوّل وجوده إلى قيمة تقاس بالقدرة على الإنتاج، والاستقلالية، ونوعية الحياة. فإذا ضعفت القدرة، أو اشتد المرض، أو غلب اليأس، أصبح الموت في نظر هذا الفكر مخرجًا مشروعًا، وأصبح إنهاء الحياة يُقدَّم على أنه مظهر من مظاهر الرحمة.
أما في الرؤية الإلهية، فإن الحياة نفخة من الله، والروح أمانة أودعها الخالق في الإنسان، ولا يملك أحد حق التصرف فيها خارج حدود ما شرعه الله.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فالآية الكريمة تربط بين النهي عن قتل النفس وبين رحمة الله، وكأنها تؤكد أن الرحمة الحقيقية تبدأ بحماية الحياة، لا بإنهائها.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تزداد هذه الحقيقة وضوحًا؛ فالإنسان لا يملك روحه حتى يتصرف بها كما يشاء، لأنها وديعة إلهية، وسيقف بين يدي الله مسؤولًا عنها.
ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إن أنفسكم ليست لكم بثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها.»
ومن هنا، فإن الحديث عن “حق الإنسان في إنهاء حياته” يفقد أساسه العقائدي والأخلاقي، لأن الإنسان لا يملك ما ليس له، ولا يستطيع أن يحوّل الأمانة الإلهية إلى حق شخصي يتصرف به وفق مشاعره أو ظروفه.
ومن اللافت أن الإحصاءات الصادرة في الدول التي شرّعت الموت الرحيم تكشف أن الألم الجسدي لم يكن الدافع الأول لدى كثير من طالبي الموت، وإنما الخوف من فقدان الاستقلالية، والشعور بأنهم أصبحوا عبئًا على أسرهم، والإحساس بفقدان الكرامة. وهذه الأسباب تمثل إخفاقًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، ولا يمكن أن تتحول إلى مبرر لإنهاء الحياة.
كان الأولى أن تُسخَّر الطاقات لاحتضان المرضى، وتطوير الرعاية التلطيفية، وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي، وترسيخ ثقافة الوفاء للمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، لأن المجتمعات العظيمة تُعرف بطريقة تعاملها مع أضعف أبنائها.
وتكشف التجارب في بعض الدول أن نطاق هذه القوانين أخذ يتسع مع مرور الزمن. فما بدأ بحالات محددة، امتد إلى فئات جديدة، ووصل في بعض البلدان إلى الأمراض النفسية، ثم إلى القاصرين. وهذا يؤكد أن فتح الباب أمام إنهاء الحياة لا يتوقف عند الحدود الأولى التي يضعها المشرّع، وإنما يفرض واقعًا جديدًا تتراجع فيه قيمة الإنسان تدريجيًا أمام اعتبارات المنفعة والكلفة والقدرة.
إن الحضارة التي تعجز عن مرافقة المريض في آلامه، ثم تعرض عليه الموت، إنما تعلن عن أزمة روحية عميقة، مهما بلغت من التقدم العلمي والتقني.
ولذلك فإن العالم لا يحتاج إلى مزيد من القوانين التي تمنح الشرعية للموت، وإنما يحتاج إلى إحياء الضمير، وإعادة الاعتبار لقدسية الإنسان، وترسيخ ثقافة الرحمة التي تنبع من السماء، لا من أهواء البرلمانات.
لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
إنها قاعدة قرآنية تختصر فلسفة الإسلام في التعامل مع الإنسان؛ فإحياء النفس عبادة، وحمايتها رسالة، وصيانتها مسؤولية، والاعتداء عليها سقوط أخلاقي مهما تغيرت الأسماء، ومهما تجملت العناوين.
وستبقى رحمة السماء أسمى من كل تشريع أرضي، لأن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان، وهو الأعلم بما يصلحه، وهو الذي جعل الحياة مقدسة، فلا يُنتزع عنها هذا القدر الإلهي بقرار برلماني، ولا تُمحى حرمتها بتصويت أغلبية، ولا تتحول الرحمة إلى رخصة للقتل مهما تبدلت المصطلحات وتزينت الشعارات.


