الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} سورة البقرة .
قال الطبري في “تفسيره”: “إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة. وفيه أيضًا “فإن الله يحب المتطهرين يعني بذلك المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة والمتطهرات بالماء من الحيض والنفاس والجنابة”.
ورُوي عن أم المؤمنين عائشة عليها السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”الإسلام نظيف فتنظَّفُوا فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف” رواه الطبراني.
قد أمر الإسلام بالاعتناء بالنظافة والاهتمام لشأنها وعُرف المسلمون قديمًا وحديثًا بنظافتهم بينما كانت وما زالت أممٌ كثيرةٌ تغرق في الوسخ وتتباهي به ومعنى الإسلام نظيف الإسلام يأمر بالنظافة، ومعنى فتنظفوا حثٌ على الاعتناء بالنظافة وهو شاملٌ لنظافة الخُلُق والبدن والثوب، وشاملٌ كذلك لنظافة النفس بسلامة القلب من البدع المردية فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيفٌ أي مؤمنٌ
فمن طهَّر نفسه بالإيمان بالله ورسوله جديرٌ به بعد ذلك أن يترقَّى في مراتب الفضل فيُجمِّل نفسه بنظافة الأخلاق وما يتبع ذلك من تعهد البدن والثوب بما ينبغي، فأما نظافة الأخلاق فإنما تكون بالتزام مكارم الأخلاق، ويتلخَّص ذلك بثلاثة أشياء:
أولها الصبر على أذى الناس، وثانيها كفُّ الأذى عن الناس، وثالثها بذل المعروف مع من يعرفه لك ومن لا يعرفه.
وما أحوجنا في هذا الزمان العصيب أن نتأسى بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ونوطّد أنفسنا على الالتزام بالأخلاق النظيفة.
فمن التزم ذلك نال الفضيلة التي صرَّح بها النبي صلى الله عليه وسلم فعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما شىءٌ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حسنٍ وإن الله ليُبغضُ الفاحش البذيء” رواه الترمذي.
قال النووي في “شرح صحيح مسلم”: “قال ابن عرَفة: الفواحش عند العرب القبائح”. وقال ابن منظورٍ في “لسان العرب”: “والبذيء الفاحش من الرجال”. وظاهر الحديث أن هذا العمل الذي هو حُسن الخُلق يُجسَّدُ فيوزن يوم القيامة فيكون ثقيلًا في ميزان الحسنات، وتجسُّدُ المعاني جائزٌ كما يؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخُدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يُؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ يا أهل الجنة” الحديث. رواه البخاري. والأملح ما في لونه بياضٌ وسواد.
ومن هنا فإننا ندعو إلى التحلِّي بالفضائل والتخلِّي عن الرذائل، وجديرٌ بمن التزم نظافة الأخلاق أن يحرص أيضًا على نظافة البدن ونظافة الثوب وهذا ما أكد عليه ديننا الحنيف تأكيدًا بالغًا، ومن أدل ما يدل على ذلك أنه قد جاءت الشريعة الغرَّاء بإيجاب الغسل في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، وإيجاب الوضوء كذلك في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، فمن ذلك مثلًا: أنه يجب الاغتسال من خروج المني والجماع والحيض والنفاس والولادة، بل أمر الشرع كذلك بالاهتمام بنظافة المؤمن بعد الموت فيجب غسل المؤمن إذا مات إلا الشهيد.
ويسن الاغتسال للجمعة والعيدين وعند إرادة لقاء الناس وللمغمى عليه إذا أفاق وفي أحوال أخرى ذكرها الفقهاء. كما يجب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف. قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم على المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنبًا فاطَّهَّروا} الآية سورة المائدة. ويسن الوضوء عند النوم وعند الغضب وقبل الغسل من الجنابة وفي أحوال أخرى أيضًا ذكرها الفقهاء في تصانيفهم، وما زالت هذه الأحكام شاهدًا على رُقي الشريعة ونصاعة ما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم وحث أمته عليه في زمنٍ كانت تغرق فيه أمم كثيرة في مستنقعات الجهل والوسخ وتعتقد أن تعهد البدن بالنظافة رجسٌ مبين وداءٌ يجلب الأمراض والأوبئة للجسد، فقد روى الترمذي عن سعد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله نظيفٌ يحب النظافة” ومعنى الله نظيف الله منزهٌ عن كل ما لا يليق به كالتغير والتطور والانتقال وكل ما كان من صفات المخلوقين. وقوله “يحب النظافة” شاملٌ لنظافة الخُلق والبدن والثوب. وعند الترمذي عن سعدٍ أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نظفوا أفنيَتَكم” قال السيوطي في “قوت المغتذي”: “جمع فِنَاء وهو المتسع أمام الدار”. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا عمر يلبس ثوبًا نظيفًا فأثنى عليه، ففي “السنن الكبرى” للنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبًا فقال:” أجديدٌ هذا أم غسيل”. قال: غسيل. قال: “البس جديدًا وعش حميدًا ومُت شهيدًا”.
تنبيهٌ مهمٌ
هذا وليُعلم أن تعهد البدن والثوب بالنظافة ليس من الكِبر الذي نهى الله ورسوله عنه، فعن عبد الله بن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة ( أي مع الأولين) من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْرٍ. قال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسَنًا ونعلُهُ حسَنةً. قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال. الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمطُ الناس” رواه مسلم. والمعنى أن من كان في قلبه كبرٌ لا يدخل الجنة مع الأولين.
وقوله “إن الله جميلٌ” معناه الله جميل الصفات أو مُجمِلٌ أي محسنٌ، ومعنى “يحب الجمال” أي يحب لعباده أن يتصفوا بالصفات الحسنة ومنها النظافة التي حث عليها الشرع الشريف.
قال ابن فورك في “مشكل الحديث وبيانه” في شرحه على هذا الحديث: “اعلم أن وصفنا الشىء بأنه جميل يحتمل وجهين: أحدهما أن يُراد به جمال الصورة والهيئة والتركيب وذلك بأن يستجمله الناظر إليه وذلك مستحيلٌ في وصف الله منفيٌ عنه” وفيه أيضًا “الوجه الثاني من الإجمال المضاف إلى الله عزَّ وجل وهو بمعنى الإحسان والفضل أي وهو المظهرُ النعمةَ والفضل”.
وفي كتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي: “ولفظ الجمال قد يُستعار أيضًا لها (أي لمعاني العظمة وعلو الرتبة) فيقال إن فلانًا حسنٌ وجميل ولا تُراد به صورته وإنما يعني به أنه جميلُ الأخلاق محمود الصفات حسن السيرة حتى قد يُحَبُّ الرجلُ بهذه الصفات الباطنة استحسانًا لها” فليعلم هذا وليحذر من التأويلات الفاسدة.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


