الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
26°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى:
قال الله تعالى في القرآن الكريم
:{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنودٍ لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيزٌ حكيمٌ} سورة التوبة.
أيامٌ قليلةٌ تفصلنا عن بداية عامٍ هجريٍ جديدٍ نسأل الله تعالى أن يمُنًَ علينا فيه بما يحبه ويرضاه من الخير والبركة.
أيامٌ قليلةٌ ونودِّع عامًا سيمضي بحلوه ومره عشنا فيه أحزانًا وأفراحًا وعانت فيه البلاد والعباد وما زالت فنسأل الله تعالى ان يُفرِّج عن المؤمنين في شتَّى بلاد الدنيا.
عامٌ مضى من أعمارنا ليت شعري ماذا قدَّمنا فيه وماذا أخَّرنا وماذا تحمل لنا فيه الأيام في طيَّاتها بين شروقٍ وغروبٍ.
وفي مثل هذه الأيام تعود بنا الذكرى ويفيض في الأفئدة الحنين الى أعوامٍ غارت في قلب التاريخ وأزمنةٍ ما زال اريجها يضوع في أفئدة المؤمنين الصادقين من أمة سيد السادات نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي صدع بالحق وفتح قلوبًا غُلفًا وأعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وهاجر في سبيل الله من مكة المكرَّمة الى المدينة المنوَّرة عملًا بالاسباب لنصرة دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء عليهم السلام وليكون نور الحق نبراسًا يشع للمسترشدين إلى آخر الزمان.
وإن الكلام عن الهجرة الكريمة وفضلها وما يُستفاد منها ويُقتبس من إشراقاتها يطول جدًا، وقد سبق وتكلَّمنا عن ذكرى الهجرة في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء ولكنني احب التنبيه في هذا المقال على ثلاث فوائد مهمًّةٍ فأقول:
الفائدة الأولى:
قد يسأل سائلٌ: لماذا كانت الهجرة وما المقصود من الهجرة فنقول:
لم تكن الهجرة النبوية المباركة جبنًا ولا هربًا من أذى كفار قريشٍ أبدًا إنما كانت الهجرة الشريفة تنفيذًا لأمر الله تعالى وذلك أن الهجرة في وقتٍ من الأوقات الى المدينة المنوَّرة كانت فرضًا على المستطيع من المسلمين فهاجر نبينا صلى الله عليه وسلم وهاجر الصحابة الكرام ولا زال حكم فرضية الهجرة ثابتًا إلى أن فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فنُسخ هذا الحكم فعن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيةٌ” متفقٌ عليه. والمراد بالفتح فتح مكة وقد جاء مصرّحًا بذلك في حديثٍ رواه البخاري ونصُّه:”لا هجرة بعد فتح مكة” وذلك أن الهجرة كانت مفارقة دار الكفر الى دار الإسلام فلمٌا فتحت مكة صارت دار إسلامٍ فنسخ حكم فرضية الهجرة وقد تضمَّن هذا الحديث معجزةً لنبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم وهي أن مكة تبقى دار إسلامٍ لا يُتصوَّر منها الهجرة
الفائدة الثانية:
قد كانت الهجرة النبوية الشريفة بدايةً لتأسيس الدولة الإيمانية العظيمة القائمة على العدل والإنصاف وإحقاق الحق وإبطال الباطل فبعد أن لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من كفار قريشٍ العتاة ما لقوا من الأذى والكيد والصدِّ عن سبيل الله تعالى وكان أن قُتل من الصحابة من قُتل ومات منهم من مات تحت وطأة التعذيب واشتد الأذى على بعضهم فصبروا صبرًا عظيمًا ثم فرَّج الله تعالى عنهم وبعد كل ذلك جاء الإذن من الله تعالى بالهجرة المباركة فانطلقت قوافل المهاجرين طاعةً لله ورسوله فهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌ والصحابة الطّيبون وما إن اجتمعوا في المدينة المنوّرة حتى آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فضربوا أروع الأمثلة في معاني الأخوة في الله ولولا خشية الإطالة لبسطنا الكلام في ذلك ولاستعرضنا صورًا من هذا التآخي وكيف كانت معاملة الانصار للمهاجرين في رحابهم وقد اجتمعوا على قلب رجلٍ واحدٍ معتصمين بحبل الله المتين كما أمر ربنا، قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها كذلك يبيِّن الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون} سورة ال عمران.
ونظرًا لأهمية الهجرة وما لها من أثرٍ عظيمٍ
حيث كانت الهجرة بكل معنى الكلمة منعطفًا مهمًَّا في التاريخ وأشرقت من المدينة المنوَّرة شمس النصر والعز فكانت بدرٌ ثم أحدٌ فالخندق وتوالى مسلسل النصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام فحملوا للأمم مشاعل النور ومصابيح الهداية لذلك رأى الفاروق الملهم سيدنا عمر بن الخطَّاب التأريخ للمؤمنين بالهجرة ولم يكن للعرب قبل ذلك تاريخٌ يجتمعون عليه بل كانوا يؤرخون بحوادث شتَّى وما زال العمل على ذلك مستمرًا إلى يومنا هذا.
الفائدة الثالثة:
نتوجَّه بهذه الكليمات الى إخواننا المؤمنين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها لنقول: من فاتته الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاته أصلًا أن يصحبه ويجاهد تحت رايته الغرَّاء صلى الله عليه وسلم فلا يفوِّتنَّ على نفسه التمسُّك بهديه العظيم وسنّته الشريفه فعن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» متفق عَلَيْهِ. والمعنى أن الْمُسلم الْكَامِل من كان على هذا الوصف وَلَيْسَ المُرَاد نفي الْإِسْلَام عَمَّن لم يكن بِهَذِهِ الْخصْلَة. فمن لم يأمن الناس أذاه وشره فهو ناقص الإيمان.
وعن معقل بن يسارٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:”العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إليَّ” رواه مسلم. والهَرْج القتل والْفِتْنَةُ التي تضطرب بها أحوال الناس وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي ذلك الحين أَنَّ الناس يغفلون عن كثرة العبادة ويشتغلون عنها ولا يتفرَّغ لها إلا القليل
وبالتالي: فإن أنت أطعت الله ورسوله وجمَّلت نفسك بالأخلاق التي أرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الزمن الشديد العصيب فإن لك أجرًا يُشبه أجر من هاجر الى النبي صلى الله عليه وسلم و إن لم يكن مثله تمامًا لكن من فاته خير ما آتاه الله لأوائل هذه الأمة فلا يفوِّتن على نفسه ما جعله الله من خير في أواخر أزمنة هذه الأمة والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...