الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
16°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"الصبر ضياء القلوب ومفتاح الفرج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم:{قالُوا أَإنك لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} سورة يوسف.
وقال تعالى أيضًا:{ولنجزينَّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} سورة النحل.
وعن أبي مالكٍ الحارث بن عاصم الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”والصبر ضياء” رواه مسلم. معناه: الصبر بأنواعه ضياءٌ أي نورٌ قويٌ تنكشف به ظلمات الكربات ويضيىء لصاحبه ليستمر على طريق النجاة. وقد قيل في تعريف الصبر:”هو حبس النفس وقهرها على مكروهٍ تتحمَّله أو لذيذٍ تفارقه”
والصَّبْرُ الْمَحْبُوبُ فِي الشَّرْعِ هو الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَالصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا. وفي الإحياء للغزالي أنه جاء في رسالة سيدنا عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري “عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في المصيبات حسنٌ وأفضل منه الصبر عما حرَّم الله تعالى” أي أن يصبر على كفِّ النفس عن الحرام.
وَلا يزال صاحب الصَّبْرِ الْمَحْمُودِ مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَابِ وإزاء ذلك فما أحوجنا جميعًا الى التجمُّل بالصبر فالصبر ضياءٌ للسبيل ودواءٌ للقلوب وسلَّمٌ للمعالي فعن أبي سعيدٍ الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ” متفقٌ عليه.
ومعناه: المؤمن الذي يوطِّد نفسه على الصبر طاعةً لله تعالى يرزقه الله تعالى القوة على الصبر. ومن عقد العزم على الصبر كان صبره طريقًا للفرج. قال تعالى:{فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يُسرًا} سورة الشرح.
وعن ابن عبَّاسٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يَسِّرًا” رواه البيهقي.
وقال البحتري في مواساة سجينٍ:
وما هذه الأًيَّامُ إلاًَّ مَنَازِلٌ
فَمِنْ مَنْزِلٍ رَحْبٍ إلى مَنْزلٍ ضنكِ
وقد هذَّبَتكَ النَّائباتُ وإنَّما
صفَا الذَّهبُ الإبريزُ قبلكَ بالسَّبْكِ
أما في رسول الله يُوسف اُسوةٌ
لمثلكَ محبُوساً على الظُّلم والإفكِ
أقام جميل الصبَّر في السَّجْنِ بُرْهةً
فآل بهِ الصَّبرُ الجميلُ إلى المُلك.
فكم وكم يتعرّض أحدنا لمصائب ومتاعب تُرهق النفس وتُقلق الفؤاد وتجعلُ المرء في حيرةٍ من أمره وتختلف أحوال الناس عند نزول المحن فمنهم من يصبر ويُسلم لله تعالى ويرضى بما قدَّر الله له ويثبت على ما يُرضي الله العظيم وهؤلاء هم الناجون الفائزون وهم الرجال حقًا، ومنهم من يعترض على ربه فلا يصبر ولا يرضى وهؤلاء هم الخاسرون فإن الاعتراض على الله يُنافي الإيمان ومصير هؤلاء الهلاك والخزي والعذاب المؤبد في نار جهنم إلا إذا تداركوا أنفسهم قبل الموت بالتبري من ضلالهم بالشهادتين فإن الله غفورٌ رحيمٌ، وحقيقة الأمر أن المعترض على الله تعالى أحمقٌ جاهلٌ، والعجب كيف تجرَّأ البعض على الاعتراض على خالقهم وهم يعلمون أن الله تعالى هو خالق كل شىءٍ ومالك كل شىءٍ فهو سبحانه يفعل في ملكه ما يريد فكيف يُسوِّغ الجاهل لنفسه أن يعترض ويتسخَّط على الخالق الذي أبدع العالم من العدم إلى الوجود فهو يتصرّف في ملكه ولا شريك له في الخلق.
ثم إن مشيئة الله تعالى نافذةٌ ولا رادّ لما أراد فالمؤمن الصابر يؤجر ومشيئة الله نافذةٌ والكافر المعترض يأثم ويهلك ومشيئة الله نافذةٌ فأولى بالعبد إذًا أن يصبر ويخضع لله تعالى، ومن تذكَّر أن الدنيا لا تدوم لأحدٍ ولا تصفو لأحدٍ وأنها وما فيها إلى زوالٍ سهُل عليه أن يتصبَّر فإن الصبر مفتاح الفرج وهو وإن كان مرًّا لكن ثمرته حلوةٌ

“ثمرة الصبر”
وكم من أناسٍ ابتُلوا فصبروا فآل بهم الصبر الى المراتب العالية والدرجات الرفيعة ويطول ضرب الأمثلة في ذلك
ولكن من أدلّ ما يدلُّ على صحة ما نقول ما جرى على سيدنا نبي الله يوسف الصدِّيق عليه السلام فقد ابتُلي ببلاءٍ شديدٍ يطول ذكره وخبره مشهورٌ ومبسوطٌ في القرآن الكريم في سورة يوسف وكان من جملة ما ابتلي به أن تآمر عليه إخوته العشرة وهم من عدا بنيامين فأرادوا قتله ثم اتفقوا أن يُلقُوه في البئر ثم أخذته السيَّارة فانتهوا به إلى مصر وشبَّ في بيت عزيز مصر وهناك راودته امرأة العزيز على الفاحشة فلم يطاوعها وعصمه الله من الزنا ومن الهم بالزنا ثم سُجن عليه السلام في مصر وهو في كل ما تعرّض له صابرٌ محتسبٌ متوكلٌ على الله تعالى فآل به الصبر الجميل الى الملك قال تعالى:{“وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزآئن الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشآء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشآء وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} سورة يوسف.
وجاء إخوته بعد ذلك قاصدين كرمه محتاجين جوده راجين برَّه فكان في ذلك درسٌ تاريخي لمن يتّعظ فبعدما فعلوا الأفاعيل بيوسف عليه السلام دارت الأيام فأتوه صاغرين متذللين
قال تعالى؛{“فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يآ أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين} سورة يوسف.
فانظر الى ماذا آل إليه حالهم في مقابل ما أعطى الله لنبيه يوسف عليه السلام لتعلم أن التيسير والفرج والخلاص من الشدة كل ذلك بتدبير الله تعالى وحده وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الصابرين ويجزيهم بصبرهم ما تقرّ به عيونهم وأعدَّ لهم في الآخرة ثوابًا عظيمًا قال تعالى:{إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجرهم بغير حسابٍ} سورة الزمر. قال ابن الجوزي في “زاد المسير” أي يُعْطَون عطاءً كثيرًا أوسعَ من أن يُحْسَب وأعظمَ من أن يُحاطَ به لا على قدر أعمالهم”
وحيث علمت عظيم أجر الصبر ورأيت ثمار الصبر فيما آل إليه حال نبي الله يوسف عليه السلام بعدما صبر على البلاء بأنواعه ولم يزل راضيًا مرضيًا فعليك بالصبر فإن الصبر مع الإيمان يورث الظَّفَر وهو مفتاح الفرج والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...