الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
16°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لا تجازف بدينك

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وقل اعملوا فسيرى الله عملكُم ورسُوله والمؤمنون وستُردُّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} سورة التوبة.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبضُ العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالما اتخذ الناس رُءوسًا جُهَّالًا فسُئِلوا فأفتَوْا بغير علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا” متفقٌ عليه.
دلَّ الحديث على أن الله تعالى لا يقبض العلم قبض انتزاعٍ ينتزعه من صدور الناس لأن الله عزّ وجلَّ كريمٌ ولكن يقبض العلم بقبض أي بموت العلماء أي فيُنتزعُ بقبضهم وفي التعبير بما ذُكر إيماءٌ إلى أن العلماء كنوزٌ مودعةٌ في الأرض لنفع الناس فإذا أراد الله رفع تلك الكنوز قبضهم حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رءوسًا جهَّالًا فقدَّموهم وأحلُّوهم محل العلماء والسادة فسُئل هؤلاء لافتتان الناس بهم فأفتوا بغير علمٍ فضلُّوا في أنفسهم لافترائهم على رب العالمين وأضلُّوا من استفتاهم وفي الحديث غاية البشرى لأهل العلم المعتبرين وغاية التحذير من استفتاء الجاهل والأخذ بقوله.
وإن من أخطر ما ابتُليت به أمتنا الإسلامية قديمًا وحديثًا مشايخ السوء الذين يُخالف فعلهم قولهم فتراهم يأمرون بالمعروف ولا يأتمرون المعروف وينهون عن المنكر ولا يتورَّعون عن اقترافه أو يُجاهرون بفعل بعض الإثم ويُفتون بحلِّه كذبًا ليموِّهوا على البسطاء فيقتدي بهم الجُهَّال ويُصدِّق ما يقولونه السذَّج في ذلك بدعوى أنهم شيوخٌ وأنهم علماء وأئمةٌ، ولا يخفى أننا قد صرنا إلى زمانٍ قام فيه على أمور الناس كثيرٌ ممن ليسوا أهلًا لذلك، وربما ينظر بعض هؤلاء المتمشيخين إلى ماذا تميل نفس المستفتي فإن رأوه يشتهي فعل ما يسأل عنه أفتوه بالحلِّ وإن رأوه ينفر ويكره ما يسأل عنه أفتوه بالتحريم، وتراهم فوق ذلك يتكبَّرون عن قبول النصيحة فيردون الحق على قائله وكان خيرًا لهم أن يقتدوا بأمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب حين عارضته امرأةٌ في قضيةٍ فقال: “أصابت امرأة وأخطأ عمر” رواه البيهقي.
ويذهب هذا العاميُّ الذي لا يعرف حقائق المسائل بعد ذلك فيعمل بفتوى هذا المتمشيخ زمنًا طويلًا ويُدافع عن نفسه بأن الشيخ الفلاني قد أفتاه بكذا وربما كان في قرارة نفسه يعتقد أن فتوى ذاك الشيخ غلطٌ لكنه يظن لجهله أنه إن عمَل بها لا بأس عليه لأن شيخًا قد أفتاه بذلك، ويقول لك إذا ما نصحته: بما أن فلانًا أفتاني بذلك فهو يتحمَّل المؤاخذة يوم القيامة. ولهؤلاء نقول: لو أخطأ معكم أحدٌ في أمرٍ دنيويٍ قانونيٍ أو هندسيٍ أو زراعيٍ وتبيَّن بعد مراجعة أهل المعرفة أنكم لو كنتم عملتم بما قال لوقعتم في شدةٍ شديدة فهل ستقولون لا بأس علينا وتُقدمون على ما دلَّكم عليه؟ والجواب: بالتأكيد لا، فلماذا إذًا يُجازف أحدكم بدِينه ولا يقبل المجازفة بدنياه بل ولا بعَرَضٍ قليل من دنياه.
ما بال دينك ترضى أن تُدنِّسه وإن ثوبك مغسولٌ من الدَّنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبَس
فسادٌ كبيرٌ
وحقيقة الأمر أنه لو انصف هؤلاء لعرفوا من ينبغي أن يُرجع إليه للسؤال عن العلم فإنه ليس كل من اشتهر بلقب عالمٍ أو شيخٍ كان أهلًا للفتوى.
فليس كل من علت العمامة رأسه قارن الشافعي وليس كل من تكلَّم في محفلٍ ما صار نظير سيبويه وقد نص النووي في “المجموع” “أنه لا يجوز استفتاء غير الثقة” وإذا ما كان بعض السائلين لا يعرفون من هو الثقة أصلًا فكيف سيميِّزون بين المستأهل للفُتيا وغير المستأهل؟ فإن لم يكن العالم ثقةً فلا يُقلَّد في أمور الدين ولا يؤتمن على الدين فمن اتَّخذه قدوةً في دينه فلا يلومنَّ إلا نفسه، بل يجب علينا إن علمنا أن فلانًا يُفتي الناس الباطل ويبيع الدين بالدنيا أن نُحذِّر منه شفقةً على المؤمنين فلقد قيل:
فسادٌ كبيرٌ عالمٌ متهتِّك وأكبر منه جاهلٌ متنسِّك
هما فتنةٌ للعالمين كبيرةٌ لمن بهما في دينه يتمسَّك
فإذا لم يعمل العالم بعلمه بل كان لا يُبالي ماذا يقول وماذا يفعل ويُزيِّن للناس شهوات النفس فهو متهتِّك فلا ينبغي أن يكون مرجعًا للناس، وكم من علماء اليوم لا همَّ لهم سوى التَّكسب بعلمهم غير آبهين لمداواة الناس من مرض الجهل الذي استفحل في أكثرهم فلا استقاموا في أنفسهم ولا استقام بهم غيرهم، وقد جاء في “الإحياء” للغزالي عن مالك بن دينارٍ قال: “إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزلُّ القَطر (المطر) عن الصفا (الصخر الأملس)” وللأسف فهذا ما نراه في أكثر المشايخ اليوم ولا يتَّخذ هؤلاء قدوة إلا الأحمق.
وكذلك الجاهل إذا تنسَّك أي تعبَّد على جهل فمن جعل عمدته هذين أو أحدهما ضلَّ، وكم نرى ناسًا يقصدون للفتوى العجوز الفلاني لمجرد أنه اشتهر بارتياد المساجد أو حجَّ عدة مرَّات ويتخذونه قدوة، فيقول أحدهم: سألت الحاج الفلاني وأفتاني أبو فلان الذي لا يُفارق المسجد ولو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن هذا لا يجعل المرء مفتيًّا فالعلم نور والتَّعبد على الجهل لا يُنجي صاحبه يوم القيامة. ومن كان مغرورًا بالشهرة والمناصب فكم وكم مضى ناسٌ في الدهر لهم شهرة واسعة ومنصبٌ كبيرٌ كفرعون وأبي لهب وقد قال تعالى:{ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشدَّ العذاب} سورة غافر. وقال:{تبت يدآ أبي لهبٍ وتبَّ} سورة المسد. فما أغنت عنهما الشهرة والسَّطوة.
وختامًا نقول: إن الدين غالٍ وعلم الدين عظيم وليس كل من ادَّعى العلم أو المشيخة كان أهلًا لذلك، ولا يخفى كيف يتم ترتيب الشهادات وبيعها أحيانًا في زمن انقلبت فيه الموازين فإنه لا يُعرف الحق بالرجال ولكنَّ الرجال يُعرفون بالحق فلا تغترَّن ببريق الزجاج المتكسِّر يلمع من بعيد فإنه لا يُغني السراب عن الشراب وقديمًا قيل:
من غُصَّ داوى بشُرب الماء غُصَّته فكيف يفعل من قد غُصَّ بالماء
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...