الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفَّار رحماء بينهم تراهم ركَّعًا سُجَّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا} سورة الفتح.
لا يزال أصحاب نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم الطيبين منارات هدًى يُستضاء بها، ولا يزال الكلام عن مناقبهم عطرًا تَعبق به المجالس، فهنيئًا لهم بما أكرمهم الله تعالى به وطوبى لمن اقتدى بهم وأحبهم فإنهم أنصار النبي صلى الله عليه وسلم وحُماة دين الله تعالى. ومن هؤلاء الصحابة الكرام الأكابر صحابي جليلٌ ضرب أروع الأمثلة في الصبر والثبات على الحق ولا تزال سيرته أنموذجًا في مواجهة الطغاة برغم الفوارق العِرْقية والمالية والاجتماعية وغيرها، وهو صحابيٌ ما زال ذكره يُشنِّف آذان الكبار والصغار وله في نفوس المؤمنين إجلالٌ عظيمٌ ومقامٌ كبيرٌ عنيت إمامنا وعظيمنا وقدوتنا سيدنا بلال بن رباحٍ الحبشي رضي الله عنه وأرضاه. وما أحرانا اليوم وبعد أربعة عشر قرنًا أن نتعرَّض لشىءٍ من خبر هذا الصحابي الجليل فنقول:
اسمه وفضله
هو أبو عبد الله وقيل: أبو عبد الكريم بلال بن رباح واسم أمه حمامة.
كان من السابقين الأولين الذين عُذِّبوا في سبيل الله، ومن صور ذلك التعذيب أن بلالًا كان مملوكًا عند أُمية بن خلف فكان أمية يُخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال كذلك حتى تموت أو تكفر بمحمدٍ فيقول بلالٌ وهو في ذلك البلاء: أحدٌ أحد. وقوله: أحدٌ أحدٌ فيه تنزيهٌ لله تعالى عن مماثلة المخلوقين فالله أحدٌ أي واحدٌ لا شريك له، ذاته لا يُشبه الذَّوات وصفاته لا تُشبه الصفات وفعله لا يُشبه أفعال الخلق، وليس هو من قبيل الأجسام فلا يتجزّأ ولا ينقسم سبحانه وتعالى ليس كمثله شىءٌ وهو السميع البصير.
ولم يزل بلال معذّبًا حتى أشتراه أبو بكرٍ فأعتقه ففي “سير أعلام النبلاء” للذهبي أن أبا بكرٍ الصدِّيق مرَّ ببلالٍ وهو يُعذَّب فقيل له: اشتر أخاك بلالًا فاشتراه بخمس أواقٍ ذهبًا، وقيل: بأربعين أوقية ثم أعتقه لله تعالى فقالوا لأبي بكرٍ: لو أبيت أن تشتريه إلا بأُوقيةٍ لبعناكه فقال أبو بكرٍ: لو أبيتم إلا مائة أُوقية لاشتريته.
وكان عمر بن الخطَّاب يقول بعد ذلك:”أبو بكرٍ سيدنا وأعتق سيدنا”.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في فضل سيدنا بلال منها ما رواه أبو نُعيمٍ في”الحِلية” وغيره عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”اشتاقت الجنة إلى ثلاثةٍ عليٍ وعمَّارٍ وبلال” وعن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”السُّبَّاق أربعةٌ أنا سابق العرب وسلمان سابق الفرس وبلالٌ سابق الحبشة وصهيبٌ سابق الروم” رواه الحاكم. وقوله سابق الحبشة معناه: يسبقهم إلى دخول الجنة يوم القيامة. وفي طبقات ابن سعدٍ عن هشام بن زيدٍ أن بني أبي البُكير جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: زَوِّج أُختنا فلانًا فقال لهم: أين أنتم عن بلال ثم جاءوا مرةً أخرى فقالوا: يا رسول الله أنكح أُختنا فلانًا فقال: أين أنتم عن بلالٍ ثم جاءوا الثالثة فقالوا: أنكح أُختنا فلانًا فقال: أين أنتم عن بلالٍ أين أنتم عن رجلٍ من أهل الجنة قال فأنْكَحُوه (أي زوَّجوه)”
سيد المؤذنين
عن عبد الله بن زيدٍ أنه رأى آتيًا أتاه في النوم فعلَّمه الأذان للدعوة إلى الصلاة وعلَّمه الإقامة عند إقامة الصلاة قال عبد الله: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: هذه رؤيا حقٍ إن شاء الله فقم مع بلالٍ فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك قال عبد الله: فقمت مع بلالٍ فجعلت أُلقِّنه عنه ويؤذن به قال فسمع بذلك عمر بن الخطَّاب وهو في بيته فخرج يجرُّ رداءه ويقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي أُرِي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد” رواه ابن الجارود في المنتقى وغيره. وقوله: أندى صوتًا معناه: أرفع صوتًا وقيل: أطيب ويؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه خلافًا للوهابية الذين أفتى بعضهم بتوكيل ناسٍ أصواتهم ليست حسنة ليؤذنوا حتى لا تفتتن النساء بالصوت الحسن بزعمهم وهل هذه إلا إحدى بدعهم أوليس النبي صلى الله عليه وسلم كان أحرص على الدين وعلى دفع الفتنة ومع هذا اختار بلالًا لعذوبة صوته فنسأل الله تعالى حُسن الفهم. وعن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”نِعمَ المرء بلال هو سيد المؤذنين” رواه الحاكم في “المستدرك”
بلالٌ حبيب النبي صلى الله عليه وسلم
جاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي أن بلالًا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وكان وقتها في الشام حيث خرج إلى الشام للمرابطة في سبيل الله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني فانتبه من نومه حزينًا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويُمرِّغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يُقبِّلُهما ويبكي فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك فعلا السطح فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجَّتُها فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله خرج الناس فما رؤي يوم أشد بكاءً بالمدينة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم.
فهذه القصة فيها أن بلالًا تمسَّح بالقبر الشريف متبركًا به ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابة الكرام فدلَّ على جوازه خلافًا لمن يمنعه من الوهابية
وفاته
توفي بلالٌ في الشام سنة عشرين للهجرة ودفن بباب كيسان وقيل بباب الصغير وفي السِير للذهبي أن بلالًا حضره الموت فقال: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه فتقول زوجته واويلاه فيقول بلال: وافرحاه.
رضي الله عن سيدنا بلالٍ والحمد لله أولًا وآخرًا.


