الخميس، 14 مايو 2026
بيروت
25°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى.
وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب فردد مرارًا قال: لا تغضب” رواه البخاري.
في الحديث اقتباسٌ من قوله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} قال أبو حيَّان في “البحر المحيط” “لا يغُول الغضب أحلامهم كما يَغُول حُلوم الناس”
وقال ابن منظور في “لسان العرب” يقال: “غاله يغُوله إذا اغتاله (واغتاله أهلكه وأخذه من حيث لم يدر) وكل ما أهلك الإنسان فهو غُول، وقالوا الغضب غُول الحِلم أي أنه يهلكه ويغتاله ويذهب به” والأحلام والحُلُوم العقول، والمعنى: لا يُذهب الغضب عقولهم فيخرجهم عن حدِّ الحكمة، إنما يضبطون أنفسهم فلا يُنفِذُون غضبهم ولا يجرهم الغضب إلى ما لا تُحمد عقباه كما هو حال أغلب الناس. وفيه أيضًا اقتباسٌ آخر من قوله تعالى:{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} سورة آل عمران.
وكظم الغيظ “هو أن يمتلئ المرء غيظًا فيرده في جوفه ولا يُظهره بقولٍ ولا بفعلٍ ويصبر عليه” قاله الخازن في “لباب التأويل” وقال النسفي في “مدارك التنزيل” “والغيظ تَوقُد حرارة القلب من الغضب”
وقلَّ من الناس من يكظم غيظه إذا غضب ولا يُظهر أثر غضبه، بل ترى الغالب منهم إذا ما غضبوا يغلي الدم في قلوبهم طلبًا للبطش لأن غضبهم في العادة نَزْغَةٌ من نزَغَات الشيطان يخرجون به عن اعتدالهم، فتراهم يغضبون فيتهددون ويتوعدون لأسبابٍ تافهةٍ وأغراضٍ رخيصةٍ ونرى بعد ذلك الهُجران والكيد لأجل الدنيا، وقد روى البيهقي عن بشر بن الحارث أن نبي الله عيسى عليه السلام قال: “رأس كل خطيئة حب الدنيا” فمن الناس من يغضب حبًا بالمال ومنهم من يغضب لشهوة النساء ومنهم من يغضب لأجل دارٍ أو عقارٍ أو غير ذلك من مُغريات الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، وربنا تعالى يقول:{فلا تَغُرَّنكم الحياة الدنيا ولا يَغُرَّنكم بالله الغَرُور} سورة فاطر. والغَرور الشيطان كما في “تفسير الطبري” نقلًا عن مجاهد.
ولو نظرنا في المجتمع المعاصر لرأينا العجب في أحوال الناس: وذلك أن منهم من يحملهم الغضب على الخروج من الإيمان فأي خسارٍ وأي وبالٍ لطَّخ به نفوسهم هؤلاء الأغبياء، ومن الناس من يقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق عند الغضب فيلوث يده بدماء الأبرياء أو يُقحم نفسه في غير ذلك مما يُعرضه للعقوبة فيُفضي به الحال إلى السجن أو الهرب خوفًا مما لزمه من الحق، ومنهم من يُطلِّق في الغضب فيقع الطلاق وتتشرذم الأسرة ويضيع الأبناء، إلى غير ذلك من مخاطر يجرها الغضب لو أردنا تعدادها لطال الكلام فيها جدًا، والأجدر بالمرء أن يحفظ نفسه من كل ذلك فإن تبعات الغضب كثيرًا ما تكون مؤلمة، وقد صدق الشاعر حيث قال:
ليست الأحلام في حين الرضا إنما الأحلام في حين الغضب
معناه: أن صاحب العقل الواعي والخلق الحسن لا يستفزه الغضب فيخرجه عن حد الحكمة، ولكنه إذا غضب كظم غيظه وضبط نفسه ولم يتصرف بخلاف ما ينبغي

فلنقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم
وما أحوجنا جميعًا أن نكون على هذا الوصف ليسلم لنا ديننا ودنيانا بل ولتسلم صحة الأبدان فكم وكم من الأمراض يجلبها الغضب فتعطب صاحبها، وقد جعل الله للمؤمنين في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةً حسنة فقال تعالى:{لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} سورة الأحزاب.
وروى الترمذي عن هند بن أبي هالة أنه قال في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ولا تُغضِبه الدنيا ولا ما كان لها فإذا تُعُدي الحق لم يقُم لغضبه شىءٌ حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها” وإذا ما كان هذا حال أفضل الخلق نبي الله صلى الله عليه وسلم فلينظر أحدنا إلى نفسه أين هو من هذه الأخلاق الراقية؟ فحريٌ بالمرء إذا غضب أن يغضب لله وإذا رضي أن يرضى لله وإذا أحب أن يُحب لله وإذا عادى أن يُعادي لله رغبةً في ثواب الله واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم،
وفي هذا المعنى قال القاضي ابن الوردي:
ليس من يقطعُ طرْقًا بطلا إنما من يتقي الله البطل
وجاء في أُسْد الغابة” لابن الأثير الجزري عن رافع بن خَدِيج “أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة أنمار فلما سمعت به الأعراب لحقت بذُرى الجبال، وعَسْكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من أصحابه ثم ذهب لحاجته فأصابه مطرٌ فبلَّ ثوبيه فأجفهما على شجرة (علقهما على شجرة ليجِفَّا) فقالت غَطَفَان (اسم قبيلة) لدُعثُور بن الحارث وكان سيد قومه وكان شجاعًا: انفرد محمدٌ عن أصحابه وأنت لا تجده أخلى منه الساعة، فأخذ سيفًا صارمًا ثم انحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعٌ ينتظر جُفُوف ثوبيه فلم يشعر إلا بدُعثُور بن الحارث واقفًا على رأسه بالسيف وهو يقول: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الله عزَّ وجل” ودفع جبريل عليه السلام في صدر دعثور فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام على رأسه فقال: من يمنعك مني؟ فقال دعثور: لا أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم فاذهب لشأنك، فلما ولّى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت خيرٌ مني. الحديث ثم أسلم دعثور بعد ذلك.وعن سهل بن معاذ عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كَظَم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفذهُ دعاه الله عزَّ وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّره الله من الحُور العِين ما شاء” رواه أبو داود.
فإن من قهر نفسه وألزمها التمسك بالشريعة الغراء وغلب هواه فهو القوي حقًا، فقد روى أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الشديد بالصُّرَعة (الذي يصرع الناس أي يغلبهم بقوته) ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” وروى البيهقي عن أبي البُجير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا يا رُبَّ مُكْرمٍ لنفسه وهو لها مُهين” أي يفعل فعلًا يظن أنه يُكرم به نفسه كأن يغضب وينتقم انتصارًا لحظ النفس، يرى ذلك من البطولة والشهامة ولكنه يتعدى بذلك حدود الشرع فيكون قد أهان نفسه في حقيقة الأمر بمعصية الله وعرَّض نفسه لسخط الله من حيث لا يشعر،
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...

الاستعلام قبل الاتهام

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يآ أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم...

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...