الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
18°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"علوم حقٍ وبُشرى صدقٍ"

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد فيقول الله تعالى في القرآن الكريم:{فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ} سورة المرسلات.
وعن عبد الله بن مسعودٍ قال :”حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفه ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسلُ الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلماتٍ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي(من أهل النار) أم سعيد(من أهل الجنة) فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنه حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنه فيدخلها”رواه البخاري ومسلم.
وجاء في “شُعب الإيمان” للبيهقي بسنده عن أبي عبد الله الأسفاطي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله بلغنا عنك حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعودٍ في القدر(الحديث المذكور) فقال: نعم أنا قلته رحم الله الأعمش ورحم الله زيد بن وهب ورحم الله عبد الله بن مسعود ورحم الله من حدث بهذا الحديث.
قال البيهقي أيضًا: حدثنا محمد بن يزيد الأعور قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم جالسًا مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فقلت: يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود وحديث الصادق المصدوق أريد حديث القدر؟ قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو حدثته به فأعادها ثلاثًا غفر الله للأعمش كما حدَّث به غفر الله لمن حدَّث به قبل الأعمش وغفر الله لمن حدَّث به بعد الأعمش
وإزاء هذه البشارة العظيمة التي نطق بها النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم للمؤمن الذي يُحدِّث بهذا الحديث مخلصًا لله وقوله الحق في اليقظة والمنام حريٌ بنا أن نستعرض بعض ما تضمَّنه هذا الحديث فنقول:
أولًا: يُستفاد من هذا الحديث والبشارة المذكورة عظيم فضل التحديث بالصِّحاح الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم وبيان ما تضمَّنته من نفائس ليكون هذا عونًا للمؤمنين على التأسي بنبينا الكريم محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه:{لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} سورة الأحزاب. فإن أولى من يُقتدى به هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وما أحوجنا إلى ذلك في هذا الزمن الذي أصبحت فيه أفهام كثيرٍ من الناس معكوسةً
ثانيًا: يُستفاد من الحديث أن المني لا روح فيه لذلك فإن التعبير الأصح أن يقال: كائنٌ منويٌ بدل حيوانٌ منويٌ لأن لفظةَ حيوانٍ تُشعر بالحياة وحياة الإنسان بالروح والروح إنما تتلبَّس بالجنين بمُضي أربعة أشهرٍ من الحَمل كما أفاده صريح الحديث فإن الحمل يكون أربعين يومًا نطفةً ثم أربعين يومًا علقةً ثم مثل ذلك مضغةً ومجموع ذلك أربعة أشهرٍ يتطوُّر فيها الحمل من مرحلةٍ إلى أخرى ولا يكون مصحوبًا قبل نفخ الروح بالحياة وإن شعرت الحامل قبل ذلك بحركةٍ في بطنها فإنما ذلك نبض أعصابٍ وهذا يعرفه أهل الطب. والنطفة الماء المجتمع في الرحم من الرجل والمرأة والعلقة القطعة من الدم تَعلَق بالرَّحم والمضغة قطعة اللحم الصغيرة بقدر ما يُمضغ أي بقدر اللقمة يمضغُها الآكل قال الله تعالى:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَر} سورة المؤمنون.
ثالثًا: يؤخذ كذلك من الحديث أن أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم ومآلهم بعد الموت كل ذلك بتقدير الله تعالى واعتقاد ذلك من أصول الإيمان فإنه يجب الإيقان جزمًا أنه لا يكون شىءٌ إلا بمشيئة الله تعالى قال تعالى:{ إنَّا كلَّ شىءٍ خلقناه بقَدرٍ} سورة القمر. فإن قال قائلٌ: إذا كان الله تعالى قد قدَّر على الفُجَّار والكفَّار ما يكون منهم من قولٍ وفعلٍ فلماذا يحاسبهم عليها فتقول:
لا شك أنه يجب الإيمان جزمًا أنه لا يكون إلا ما أراد الله تعالى وإن القول بخلاف ذلك مُؤداه الضلال المبين فإنه لو كان يقع في ملك الله خلاف ما يريد الله لكان تعالى مغلوبًا والمغلوبية تُنافي الألوهية لأن المغلوب عاجزٌ والعاجز لا يكون إلهًا ولتقريب المعنى نقول مثلًا: لو لم أرد أن يحصل في بيتي كذا وحصل خلاف ما أزدت اقتضى ذلك أني مغلوبٌ عاجزٌ عن السيطرة على بيتي لا أتمكن من إدارة شؤون منزلي فثبت أنه لا يكون شىءٌ إلا بمشيئة الله وتقديره لكننا نجيب من يقول: إذا كان الله قدَّر علي المعاصي فماذا أفعل؟ بقولنا: المستقبل غيبٌ فما أدراك أن الله تعالى شاء لك التمادي في الإثم تُب الى الله الآن ما الذي يمنعك واعلم أن ما علم الله أنه سيكون شاء أن يكون وما علم أنه لا يكون لم يشأ أن يكون وقد علم الله ما سيكون منك ولا تعلم أنت ما يكون آخر أمرك فتب لله الآن فإنه لا عذر لك أن تتمادى في المعصية وتدافع عن نفسك بقولك: الله شاء لي ذلك لكنك إن تُبت ووبَّخك أحدٌ على الذنب بعد التوبة لك أن تُدافع عن نفسك فتقول مثلًا: لماذا تلومني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ وحيث المستقبل غيبٌ كما عرفت فلا مانع يحول بينك وبين التوبة فأنت لا تعرفُ ما قُدِّر لك
رابعًا: دلّ الحديث أيضًا على أن العبرة بالخواتيم فقد يعمل المرء زمانًا بطاعة الله ثم ينحرف قُبيل الموت فتسوء خاتمته وقد يعمل زمانًا بمعصية الله ثم يتوبُ ويحسُن حاله قُبيل الموت فتحسُن خاتمته ومن اعتقد ذلك جديرٌ به أن لا يغترّ بنفسه بل يبقى على وجَلٍ فكم من أناسٍ اغتروا فهلكوا وكم من أناسٍ تواضعوا فارتفعوا
وما ذكرناه إنما هو غيضٌ في فيضِ معاني هذا الحديث والكلام فيه يطول جدًا ولكن نبهنا على مسائل مهمَّةٍ تُستنبط منه ومن أراد الوقوف على معانٍ أوسع فليراجع أهل العلم
والله تعالى أعلم وأحكم.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...