الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم.
قد ظهر الفساد في بحر الارض وبرِّها بما كسبت أيدي كثيرٍ من الناس إذ البر والبحر لا يوصفا بعمل الفساد بنفسيهما وليسا مكلَّفين، ولقد اشرأبت أعناق الشر وغدا الفساد في زماننا سمة أكثر الناس
وتوالت الفتن كقطع الليل المظلم حتى أصبح الحليم حيرانًا بل مضى زمن القابض فيه على دينه كالقابض على جمرٍ وصرنا إلى زمنٍ أشد وما تمضي ازمنةٌ إلا ويعقُبها شرٌ منها وكل هذا مصداق ما جاء في حديث نبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم
فعن الزبير بن عدي قَالَ: أتينا أنسَ بن مالك فشكونا إِلَيْه مَا نلقى مِنَ الحَجَّاجِ (الحجٌَاج بن يوسف أمير العراق وقتها) فَقَالَ:”اصْبرُوا فَإنَّهُ لاَ يَأتِي زَمَانٌ إِلاَّ والَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ حَتَّى تَلقَوا رَبَّكُمْ سَمِعتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم”رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنها ستأتي على الناس سِنُون خدَّاعة يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرُّويبضة قيل: وما الرُّويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلَّم في أمر العامَّة” رواه الإمام أحمد. وأصل السَّفه خِفَّةٌ في العقل تحمل صاحبها على التصرُّف بخلاف الحكمة. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أن رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:”بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا” رواه مسلم.
فكم من أناسٍ يصبح أحدهم مؤمنًا فينقلب كافرًا ممسيًا او العكس وهو لا يشعر أدَّاه إلى هذا المستنقع جهله إذ لو تعلَّم لحفظ نفسه ولمن يتعجَّب مما نقول انظر قول الله تعالى:{ومن الناس من يقول ءامنَّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} سورة البقرة.
ولو نظرنا في شتَّى أصقاع الأرض لرأينا كثيرًا من الضلال والجهل والفساد والانحراف والخَبال، ولوجدنا أكثر الناس ليسوا على هدًى وقد جاء مصداق هذا في كتاب الله تعالى في مواضع عديدةٍ منها قوله تعالى:{فلا تك في مِريةٍ منه إنه الحق من ربك ولكنَّ أكثر الناس لا يؤمنون} سورة هود. وقال تعالى أيضًا:{بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم مُعرضون} سورة الأنبياء.
وترى كثيرًا من هؤلاء على ما هم فيه من ضلالٍ مبينٍ يظنون بأنفسهم الصلاح والإصلاح، قال تعالى:{وإذا قيل لهم لا تُفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألآ إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا} سورة الكهف.
فكم وكم من أناسٍ تمكَّن الشيطان من رقابهم فقادهم إلى هلاكهم وهم لا يشعرون، وكم من فتنٍ طار شررها فاشتعلت بها أممٌ ودولٌ وأوطانٌ وشعوبٌ فإن الباطل إذا لم يؤخذ على يد فاعله انتشر واحترقت بناره البلاد والعباد. فعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يديه” رواه البخاري. ومعناه: تمنعه من الظلم لأن الظالم إذا تُرك زاد الشر وهذا ما نشهده اليوم في البر والبحر والسهل والجبل. والظلم هو “مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي” والله تعالى هو الآمر فلا آمر له وهو الناهي فلا ناهي له، فمن خالف ما أمر الله به واقترف ما نهى الله عنه فهو ظالمٌ.
وكم نرى اليوم من ظالمين سوَّلت لهم أنفسهم فسال بهم السيل إلى مكانٍ سحيقٍ وهم لا يعلمون وترى هؤلاء الهمج يظنون بأنفسهم الترقِّي ويحكمون على سواهم بالتخلُّف والتَّأخر. ولكن الحمد لله الذي جعل منتهى الأمر الآخرة حيث يُجمع الأولون والآخرون وتجزى كل نفسٍ بما قدمت وكم من نادمٍ يومئذٍ لا ينفعه الندم.
وطوبى لمن وفَّقه الله تعالى للخير فتعلَّم علم الدين وأدى الواجبات واجتنب المحرَّمات ولزم السداد عند ظهور الفساد وصبر في زمن الغربة، فعن سهل بن سعدٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس” رواه الطبراني.
أقوم الطرق
ولكل من ينظر الى ملتزم التقوى والسداد رغم الفساد نظرة استغرابٍ وينظر إلى الفسق والمجون على أنه تقدمٌ ورقيٌ نقول:
قال الله تعالى:{إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم ويبشرُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} سورة الإسراء. وعن ابن عبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه” رواه البيهقي. فلا طريقة هي أقوم مما دلَّ عليه القرآن الكريم ولا سبيل أهدى مما جاء به الأنبياء الكرام، ولقد قيل: “عادات السادات سادات العادات” أي أن أحسن العادات عادات الأنبياء والصَّالحين، لكنَّ الأحمق يستبدل الفضيلة بالرذيلة والصلاح بالفساد كالجُعَل (الخُنفُساء) يفرُّ من المسك إلى الغائط. وإن من رحمة الله تعالى أن بعث فينا محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين فكان ذلك الانقلاب التاريخي المذهل وأشرقت شمس الهدى التي ما زلنا نستنير بنورها بعد مضي مئات السنين. ولكن عمي أناسٌ عن رؤية هذا النور لمصيبةٍ في أبدانهم فالمشكلة فيهم لا في الهدي المحمدي. وما أكثر العميان اليوم وقد قيل:
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعةً أن ليس يُبصرها من ليس ذا بصر
فمن عمي عن رؤية الحق فليسعَ في علاج نفسه. ومن دعته نفسه للفساد فليقهرها بلزوم السداد ومن لم ير نور الهدى الذي عسعست أمامه دياجير الظلام فليأت أطباء القلوب وهم العلماء العاملون بدل أن يبقى في الغواية والتَّباب ليخرج من مستنقع القذارة بدل أن يكون من الذين قال الله تعالى فيهم:”ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلًا” سورة الإسراء. والمراد بالأعمى أعمى القلب الذي لم يهتد إلى طريق النجاة. قال تعالى:”فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” سورة الحج.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


