الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
أما بعد فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تَمُدَّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى} سورة طه.
وعن عقبة بن عامرٍ قال: “لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقلت: ما النجاة؟ قال: يا عقبة، أمسك عليك لسانك وَليَسعَك بيتُك وابكِ على خطيئتك” رواه الطبراني.
إن من أهم المهمَّات أن تقنع بما قسم لك ربك من الرزق ،وأن لا تمدَّ يدك إلى الحرام بدافع الجشعُ والطمع بتحقيق شهوات النفس الأمَّارة بالسوء، والحكمة أن تعمل بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور المتقدم بقوله “وليسعكَ بيتُك” ومعناه اقنع بما قسَم الله لك من الرزق والزوجة، واصبر ولا تلهث وراء شهوات النفس المحرمة، وقد جاء في حديث ضعيفٍ رواه البيهقي في كتاب “الزهد” عن جابرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “القناعة كنزٌ لا يفنى” ومعناه كأنه لا يفنى أي يصحبك ما حييت، فإن كنت قانعًا كفتك القناعة لتعيش مرتاحًا، فقد روى الترمذي عن عبيد الله بن محصن الخَطمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمنًا في سربه مُعافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا” وقوله آمنًا في سِربه أي في قومه فالمؤمن الذي يُصبح وهذا حاله كأنما أُعطي الدنيا بأسرها، فلأي شىء يرفض بعض الناس بعد ذلك القناعة ،ويطرحون عن أنفسهم ثوب الرضا ويرتدون لباس الطمع ويسلكون طريق الجشع؟ فيجمعون ويجمعون من حطام الدنيا وتراهم يعيشون عيشة الفقراء بسبب بُخلهم وحرصهم على الدنيا، ويُحاسبون في الآخرة حساب الأغنياء، واعلم أنك مهما جمعت من الأموال ونفائس الدنيا فلن تلبس أكثر من ثوبٍ ،ولن تأكل أكثر مما يملأ بطنك ،ولن تمكث في أكثر من غرفة، وقديمًا روي عن إمامنا الشافعي أنه قال:
عزيزُ النفس من لزمَ القناعة ولم يكشف لمخلوقٍ قِنَاعه
أنالته القناعة كل عزٍّ وهل عزٌّ أعزُّ من القناعة؟
فصيِّرها لنفسك رأس مالٍ وصيِّر بعدها التقوى بضاعة
وجاء في الرسالة القشيرية للشيخ عبد الكريم القُشيري قال: “وقال الكَتَّاني: من باع الحِرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة” والمعنى من ترك الحرص على الدنيا بترك الطمع والسعي وراء الحرام واستعاض بالقناعة نال العز والمروءة، وفيه أيضًا :”وقيل رأى رجلٌ حكيمًا يأكل ما تساقط من البقل على رأس ماء فقال: لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا فقال الحكيم: وأنت لو قَنَعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان”
وبهذه القصة يتحقق معنى الكلام الذي مر قبلها، فمن رضي بالقليل واكتسى ثوب العز أغناه ذلك عن سؤال الناس والتذلل لأصحاب الملك والنفوذ، وقد مدح الله تعالى في كتابه المؤمنين الذين يقنعون ويصبرون ولا يُلحون في سؤال الناس، فقال عزَّ وجل في سورة البقرة:{للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا}
فقوله تعالى لا يستطيعون ضربًا في الأرض أي لا يستطيعون ذهابًا بالتجارة فيها، لاشتغالهم بالجهاد أي بدعوة الناس إلى الخير وإرشادهم، يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من أجل تعففهم عن السؤال، يُعرفون بسيماهم من التَّخشع وأثر الجهد، ومعنى إلحافًا إلحاحًا.
قال السمعاني في “تفسيره” “وقوله أغنياء من التعفف يعني من القناعة التي لهم يظنهم من لم يعرفهم أغنياء”
الغنى الحقيقي
وقد بيَّنت السنة الشريفة الغنى الحقيقي الذي ينبغي أن يتحلى ويُجمِّل المؤمن به نفسه في الحديث الذي جاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الغِنى عن كثرةِ العَرَض ولكن الغنى غنى النفس” متفقٌ عليه. وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب”
إذًا فليس الغنى الممدوح في الشرع المرضي عند الله سبحانه المعد لثواب الآخرة أو النافع عن كثرة العَرَضَ أي كثرة المال، فكثيرٌ من الناس الموَّسع عليهم في المال لا ينتفعون بما أوتوا وهم مع ذلك يجهدون في طلب الازدياد منه من غير مبالاةٍ من أين يأتيهم فكأنهم فقراء بسبب شدة حرصهم، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس وهو من استغنى بما أوتي فقَنع ورضي به، ولم يشغَل باله بطلب الازدياد من متاع الدنيا بطُرق الحرام ولم يُلحَّ في ذلك وصرف وقته بما يكون ذخرًا له في أخراه، فهذا هو الغني بغنى النفس وهيهات بين غنى النفس وغنى المال المجرد صاحبه عن غنى النفس، فمن عُدم القناعة تعب في طلب الدنيا ولا يزال منكبًا عليها حتى يتركها رغمًا عنه ثم يُحاسبه الله تعالى على ما جمعه من حُطامها، ومن قنع بما قسمه الله له من الرزق الحلال واكتفى به ارتاح قلبه وسعدت أيامه، فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قد أفلح من أسلم ورُزق كَفافًا وقَنَّعه الله بما ءاتاه” رواه مسلم. وقد في الحديث للتحقيق أي تحقيق الفلاح وهو الفوز والظفر لمن أسلم وذلك لنجاته من النار ودخوله الجنة في الآخرة، قال تعالى:{فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} سورة آل عمران. والكَفَاف من الرزق أن يُرزق ما يكُفُّ به عن السؤال أي يغنيه عن السؤال مع القناعة فلا يزيد على قدر الحاجة، فيسلم بذلك من تَبِعة الغنى وذل السؤال فتكون القناعة له حصنٌ يقيه من الحرام ومن الذُّل وفي هذا المعنى قيل:
إني إذا ذلَّ الحريص عززت في ظل القناعة
والمراد الحريص على الدنيا الذي لا همَّ له إلا الإكثار من حُطامها
يا من تمتَّع بالدنيا وزينتها ولا تنام عن اللذات عيناه
أفنيت عمرك فيما لست تدركه تقول لله ماذا حين تلقاه
والحمد لله أولًا وآخرًا.


