الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
أما بعد فقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: “شهر رمضان الذي أُنزِل فِيهِ القرءانُ هدًى للنّاسِ وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان”.
بالشوق نستقبله وبالحب نلقاه فله في النفس مكانةٌ ليست لغيره من الشهور وله في صدور المؤمنين فضلٌ عظيمٌ
به يسعد المتقون ويستبشر الصادقون ويفرح المؤمنون فيعمرون المساجد، ويقبلون على الذكر والعلم والقرآن، ويتلذذون بمناجاة ربنا الرحمن، ويتصدقون على المساكين. كم تسيل فيه العيون توبةً لله الواحد القهَّار وتخشع فيه الأفئدة خوفًا وطمعًا برحمةِ العزيز الغفَّار فتختلط دموع التائبين بخوف الخاشعين.
إنه شهر الخير الذي قال فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين”. متفق عليه.
إنه شهر البركات الذي إذا صمت نهاره وقمت ليله غفر الله لك فقد قال صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.” متفق عليه.
إنه شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر الطاعة والرحمة، وشهر نزول القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان.
إنه حبيب المتقين، وقد كان سيد المتقين صلى الله عليه وسلم يهتم به فكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويكثر من ذكر الله.
فعنِ ابنِ عبّاسٍ قال: “كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أجودَ النّاسِ، وكان أجودَ ما يكون فِى رمضان حِين يلقاه جِبرِيل، وكان يلقاه فِى كلِّ ليلةٍ مِن رمضان فيدارِسه القرآن، فلَرسولُ اللّهِ أجودُ بِالخيرِ مِن الرِّيحِ المرسلةِ”.
وعن أبِي هريرة قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: “من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القِيامةِ، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرةِ، ومن يسّر على معسِرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرةِ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمِس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السّكينة وغشِيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله عزّ وجلّ فيمن عنده، ومن بطأ به عملُه لم يسرِع به نسبه”. أخرجه ابن أبي شيبة. فحريٌ بنا في هذا الشهر أن نسعى لتنفيس الكربات عن المؤمنين ونمد يد العون للمحتاجين منهم وأن نعمر مساجد الله ونقتبس من حلقات العلم التي تُعقد في المساجد في هذا الشهر الكريم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: “من أصبح مِنكم اليوم صائِمًا. قال أبو بكرٍ: أنا. قال: فمن تبِع مِنكم اليوم جنازةً. قال أبو بكرٍ: أنا. قال: فمن أطعم مِنكم اليوم مِسكِينًا. قال أبو بكرٍ: أنا. قال: فمن عاد مِنكم اليوم مرِيضًا. قال أبو بكرٍ: أنا. فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن فِى امرِئٍ إلا دخل الجنّة”. أخرجه البخاري في “الأدب المفرد”.
هذا ولشهر رمضان فضائلُ لا تحصى، ويكفي فيه شرفًا وفضلًا ما ورد فيه من آيات فِي محكمِ التنزيل تُقرأ وتُتلى وأحاديث تروى.
وفِي هذا الشهر يتربّى الـمؤمن الصّائم ويتمرّن على إمساك لسانه ولجمه عن كلِّ ما من شأنه أن يؤدي به إلى الخسارة في الدنيا والآخرة، والتخلّصِ من حبائله وحصائده الـمهلِكة والـمكِبةِ لصاحبها في النار على وجهه.
إن الصوم تربيةٌ عمليةٌ على الإخلاصِ والإحسانِ والصِّدقِ والصّبرِ والحِلمِ والتواضعِ والحياءِ والزهدِ والقناعةِ والتّسامحِ والأمانةِ وحسنِ الـمعاملة وغيرها من أمهاتِ الأخلاقِ التّي جاء بها الإسلام وحثّ عليها ورغّب فيها، كما أنّه يطهِّر النفوس الـمؤمنة من رذائل الأخلاقِ كالبخلِ والكِبرِ والحسدِ والرِّياءِ وغيرِها.
وهو موسمٌ لصلاحِ ذاتِ البينِ والتّغلّبِ على الخصومات والـمشاحنات بين أهل الإيمان، وموسمٌ لمضاعفةِ بِرِّ الوالِدينِ وصلةِ الأرحامِ والإحسانِ إلى الجيران وترسيخ الإخاء بين الإخوان.
وشهر رمضان فرصةٌ لِيقبِل الإنسان على مجالسِ العلمِ والتلقي مِن أهل العلم والثقة والفهمِ. فالـمؤمن الصالح هو الذي يقوم بِحقوقِ اللهِ وحقوقِ العِباد، يعرِف ما افترض الله عليهِ فيؤديه، ويعرف ما حرم الله عليهِ فيجتنبه، يصلِي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويزكِّي كما أمر الله، ويأمر بالـمعروف وينهى عنِ الـمنكر، وإنما يتأتى هذا كلّه بِتعلّمِ علمِ الدين. فمن علاماتِ علوِّ الهمة عند الـمرءِ اهتمامه بتحصيل العلم الشرعيِ وصرف الوقت لأجله، يقول الله تعالى: “قل هل يستوِي الّذِين يعلمون والّذِين لا يعلمون إنّما يتذكّر أولو الألبابِ” وقال صلى الله عليه وسلم: من يرد اللهُ به خيرًا يفقِّهه في الدِين. متفقٌ عليه. والفِقه معرفة النّفسِ ما لها وما عليها.
لقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى الصالحات والمسابقة في عمل الخيرات، ووصف عز وجل المؤمنين المتقين بأنهم يسارعون في الخيرات ويتسابقون إلى فعلها فقال في سورة آل عمران: “يؤمنون بالله واليوم الأخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين”
ومعلوم أن فعل الخيرات في ديننا الحنيف له سبله المتنوعة وطرقه المتشعبة فلا يتوقف عند الزكوات والصدقات بل يشمل كل قول حسن وكل فعل طيب فالعقبى الحسنة لمن سابق الناس في الخيرات واجتناب المنكرات. فبادر إلى الخيرات وسارع إلى الصالحات تنل المرضاة من رب العباد.
وهذا شهر رمضان قد أقبل فاحرص فيه أيها المؤمن على صلاة خاشعة، وصدقة على مسكين، واعتكاف في مسجد وتفطير للصائمين، وتلمس لاحتياجات الفقراء والمساكين.
فرمضان شهر صفاءٍ وموسم نقاءٍ وهناءٍ، لياليه أنسٌ وسكينة، وأيامه خشوعٌ وطمأنينة، المؤمنون في المساجد بين ذاكرٍ وراكعٍ وساجد، يحمدون ويسبحون اللهَ القادر أن أنعم عليهم بشهرِ رمضان.
رمضان زمانٌ ليفكر المرء بنفسه فيراقبها ويحاسبها. رمضان فرصة لنعمل على جمع الكلمة أكثر، ونشدّ اليد باليد أكثر، ونرصّ الصفوف أكثر وأكثر.
رمضان فرصة ذهبية لمزيد من التمسك بديننا الحنيف الذي حمل للناس النورَ والعدل والوسطية والاعتدال، الإسلامِ الذي ملأ الأرض خيرا عندما تمسك به الأوائل عقيدةً حقة وأسلوبَ حياةٍ ومسلكًا أخلاقيًا ونهجا يجمع العقول والقلوب والسواعد. والحمد لله أولًا وآخرًا.


