الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسُوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} سورة التوبة.
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب قال: بينما نحن جُلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ إذ طَلَع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشَّعَر لا يُرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا أحدٌ حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتُقيمَ الصلاة وتؤتيَ الزكاة وتصومَ رمضانَ وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويُصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة رَبَّتَها وأن ترى الحُفاة العُراة العَالة رِعاءَ الشَّاء يتطاولون في البُنيان ثم انطلق فلبثت مَليًّا ثم قال يا عمر أتدري من السائل قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يُعلمُكم دينَكم” رواه مسلم.
هذا حديثٌ عظيمٌ يُرجَع إليه في علوم الشريعة فهو كالأم للسنة الشريفة لما اشتمل عليه من أصول وفروع الدين ولو أردنا الاسترسال في شرحه لطال الكلام جدًا ولسنا في مقام الإطالة ولذلك سأقتصر على ذكر بعض الفوائدة المقتبسة من هذا الحديث المبارك فأقول:
الفائدة الأولى: قول سيدنا عمر في وصف الداخل عليهم بأنه شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر فيه إيماءٌ إلى بعض شأن طالب العلم وإلى استحباب البياض والنظافة في الثياب، وقد استحب كثيرون أن يلبس طالب العلم البياض وفي الموطإ للإمام مالك عن سيدنا عمر قال: “إني لأحب أن أنظر إلى القارئ (العالم والمتعلم) أبيض الثياب” وفي قوله شديد سواد الشعر إشارةٌ إلى أن الشباب أوان طلب العلم لأن شدة سواد الشعر علامة الشباب، ولهذا ينبغي للشاب أن يعتني بتحصيل العلم في هذا السن حيث القوة والنشاط قبل إن يصير إن سنِّ المشيب والشيخوخة حيث تضعف الهمم وتهجم الأمراض وتضيق الأوقات، وما أحوج شبابنا اليوم إلى الاشتغال بالعلم بدل هدر الزمان فيما لا خير فيه. وليس معنى ذلك أن من تكاسل في سن الشباب لا عليه أن يبقى جاهلًا في الكِبَر بل ينبغي لمن فرَّط في الشباب أن يتدارك نفسه في المشيب وينبغي لمن لا يزال في الحياة أن يغتنم أنفاسه قبل الموت ولكن همة الشباب عادةً أكبر فالعاقل من صرف هذه الهمة بما يعود عليه بالنفع العميم ومن أولى ما تصرف فيه الأوقات طلب العلم.
الفائدة الثانية: أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهم الأحكام وأعظم أمور الإسلام التي يجب الانقياد لها بقوله: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتُقيمَ الصلاة وتؤتيَ الزكاة وتصومَ رمضانَ وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً، وبدأ بالشهادتين لأنه لا يصح شىءٌ مما ذكر بعدهما إلا بالإيمان وإنما يكون الدخول في الإيمان بالشهادتين فمن كذَّب بالشهادتين فليس بمؤمنٍ، ثم أوضح صلى الله عليه وسلم أعظم أمور الإيمان بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، فيجب التصديق بذلك ومن أنكر شيئًا منه فليس بمؤمنٍ. والإسلام لغةً الانقياد وشرعا انقيادٌ مخصوصٌ وهو الانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان لغةً التصديق وشرعًا تصديقٌ مخصوصٌ وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الثالثة: دلَّ قوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك على الاعتناء بالمراقبة لله وهذه المراقبة معناها استحضار الخوف من الله تعالى في القلب وذلك من واجبات القلب فمن استحضر أن الله يراه وعالم ٌ به جديرٌ به أن يخشى الله وحيث علمت أنك في الدنيا لا ترى الله فلا تغفل عن أن الله يراك فاتق الله. وإذا ما كان الواحد منا يستحي أحيانًا من عينٍ تراه فيكف عن فعل قبيحٍ فأولى به أن يستحي من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، ولو كنا الآن نرى الله لما تجرأنا على معصيته لكننا لا نراه وهو يرانا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”الله أحق أن يُستحيا منه من الناس” رواه البخاري في “الأدب المفرد”.
الفائدة الأخيرة: دلَّ قوله صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن الساعة: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل على فائدتين عظيمتين: الأولى: أنه ليس عارًا أن يقول أحدنا لا أدري إن سُئل عمَّا لا يدري كما أفاد قوله ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وأفاد كذلك أنه لا يعلم متى وقوع الساعة أحدٌ إلا الله قال تعالى: {يسئلونك عن الساعة أيَّان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يُجلِّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتةً} سورة الأعراف. ولكن لها أماراتٌ أي علاماتٌ تدل على قربها منها: أن تلد الأمة ربَّتها أي تلد نفسًا ربَّتها فالتذكير باعتبار الشخص وهو عبارةٌ عن العقوق وإضاعة حقوق الوالدين وأن ترى أي تُبصر الحفاة جمع حافٍ وهو من لا نعل في رجليه العراة جمع عارٍ وهو من لا شىء على جسده أو العاري عرفًا أي الذي لا يستر إلا العورة العالة جمع عائلٍ وهو الفقير رعاء الشاء أي الشياه يتطاولون أي يتفاضلون ويتنافسون في رفع البنيان والحديث متضمنٌ أن الأحوال تفسد وتوسّد الأمور العظام غير أهلها وكل ذلك مشَاهَدٌ في زماننا فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا وسِّد إلى الأمر غير أهله فانتظر الساعة” رواه البخاري. والحمد لله أولًا وآخرًا.


