الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة.
كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام وإذا ما نصحت الواحد منهم تراه يقول: الله غفور رحيم رحمته واسعة ويسترسل في الذنب بعد الذنب اعتمادًا على رحمة الله تعالى وكم نرى في مقابل ذلك أناسًا على العكس تمامًا إذ يبلغ القنوط أي اليأس بأحدهم إلى حدٍّ كبيرٍ جدًا بحيث لو قلت لأحدهم مثلًا: اتق الله وتب إلى ربك لقال لك: أنا كثير الذنوب ومصيري إلى العذاب ويحمله هذا اليأس على ترك التوبة والتمادي في الإثم ويدفعه هذا اليأس الى الشر فلا يبالي بعد ذلك بارتكاب الفواحش والموبقات والحقيقة أن كلًّا من هذين غافلٌ غرَّه الشيطان فحمله على ارتكاب المعاصي هذا تحت ذريعةٍ وذاك تحت ذريعةٍ أخرى، وذلك أن الأمن من عذاب الله أي الاسترسال في المعاصي اتكالًا على رحمة الله حرام وكذلك القنوط من رحمة الله بأن يعتقد الشخص أن الله سيعذبه لا محالة إن مات من غير توبة حرام، لأنه قد يموت هذا المؤمن من غير توبةٍ ويغفر الله له. قال تعالى:{إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} سورة النساء. أما من مات تائبًا فلا يجوز الشك في مغفرة الله له بل نجزم بالمغفرة للتائبين وضالٌّ من أنكر تلك المغفرة لمن تاب التوبة الصحيحة فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له” رواه الطبراني.
فلا ينبغي للمؤمن أن ييأس من عفو الله ولا أن يرى نفسه آمنًا من عذاب الله
وإنما ينبغي أن يستوي عند المؤمن الرجاء والخوف ما دام حيًّا أما إذا حضره الموت فينبغي أن يُغلِّب الرجاء على الخوف، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله أنا عند ظن عبدي بي” رواه البخاري. وعن جابرٍ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثٍ يقول: “لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن بالله الظن” أي يظن العفو والرحمة.
وكم من تقيٍ يخشى الله عاش بين الرجاء والخوف فلم يحمله الخوف من الله على الإثم ولا الرجاء على القنوط فنجا وكم ممن قنط من رحمة الله أو استرسل في الحرام اتكالًا على رحمة الله هلك.
ثم الله أعلم بمن سيُعذب ومن لا يُعذَّب من المؤمنين العصاة الذين ماتوا من غير توبة، فقد جاء في الشرع أن فريقًا منهم يُسامحهم الله فيدخلهم الجنة بلا عذابٍ وفريقًا سيُعذَّبون مدةً الله أعلم بها ثم يُخرجون من جهنم فيدخلون الجنة إذ لا يخلد في النار إلا الكفار، قال تعالى:{إن الله لعن الكافرين وأعدَّ لهم سعيرا خالدين فيها أبدًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرا} سورة الأحزاب. وعن أنسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمدٍ فيدخلون الجنة” رواه البخاري. ومن هنا يُعلم فساد قول من يقول: “لا يضر مع الإيمان ذنبٌ” فإن قومًا في الماضي علموا أنه لا ينفع مع الكفر حسنةٌ وهذا صحيح إذ الكافر لا حسنات نافعة له يوم القيامة فظنوا أن المؤمن بالتالي لا يضره الذنب وهذا تكذيبٌ لقول الله تعالى في سورة الزلزلة: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره} ولغيره من النصوص.
مثل امرأتين
وإذا عُلم هذا نقول لكل مفتونٍ يرى أنه سينجو بالتَّمني أو غافلٍ عن التوبة يرى أنه يؤول إلى العذاب: اتق الله واستفق من الغرور والغفلة وإذا ما عصيت فبادر بالتوبة أو أعجبتك نفسك فلا تغتر
فعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عُذِّبت امرأةٌ في هرةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خَشاش (هوامُّ الأرض وحشراتها) الأرض” رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “غفر الله لامرأةٍ مُومسةٍ مرت بكلبٍ على رأس رَكِيٍّ (بئر) يلهث قال كاد يقتله العطش فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر الله لها” رواه البخاري. فدلَّ الحديثان على عظيم رحمة الله تعالى وشدة عقابه وهذا موافقٌ للآية اول المقال.
فتلك امرأةٌ عُذِّبت بسبب هرةٍ حبستها حتى هلكت إذ لم تطعمها ولم تتركها تأكل من حشرات الأرض وهوامِّها وتلك أخرى كان منها ما علمت فمرت بكلب كاد يتلف من شدة العطش فنزعت خفَّها من رجلها فأوثقته أي شدته بخِمارها “والخِمار” ما يُغطَّى به الرأس “فنزعت” أي استقت للكلب من الماء “فغفر الله لها” أي وفَّقها الله تعالى للتوبة بسبب سُقياها للكلب فتجاوز عن معاصيها، ومن هنا يُستفاد أنه لا ينبغي للشخص أن يستهتر فيغوص في مستنقع الذنوب ولا يرعوي اتكالًا على رحمة الله ولا أن ييأس من فضل الله، فكم من مغرورٍ هلك بمثل ذلك فكن على ذكرٍ لهذين الحديثين واعلم ان الأمر لله يفعل ما يشاء.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي السلفي في “عقيدته” “نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نُقنِّطهم” ومعناه من رأيناه في الظاهر محسنًا نرجو له دخول الجنة بلا عذاب ولا نقطع بالحكم أنه لن يُعذَّب لعدم علمنا ببواطن الناس وتبدُّل أحوالهم، ولا نشهد لأحدٍ بالجنة من تلقاء أنفسنا إلا للذين بشَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فنشهد لهم بذلك بشهادة المعصوم لكننا نستغفر للمسيىء من المؤمنين ونخاف عليه أن يُعذَّب بذنوبه إذا لم يتب منها ولا نجعل العصاة الذين ماتوا بلا توبةٍ آيسين من رحمة الله، بل نقول: هم تحت مشيئة الله إن شاء عذَّبهم ثم أدخلهم الجنة وإن شاء سامحهم فلم يعذِّبهم بالمرة أما من مات تائبًا تقِيًّا فإنه يدخل الجنة من غير عذاب والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...

بأعمالكم تجزون لا بصوركم وأجسامكم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فاستَبِقُوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون} سورة المائدة. وعن أبي هريرة أن...