الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة.
لا يزال علماء أمة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلام مناراتٍ يُستضاء بها في حالك الظلام برغم تقادم السنين وبرغم كيد المرجفين ولقد كانوا وما زالوا أعلامًا يُهتدى بهم كيف لا وربنا تعالى يقول:{ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} سورة النساء. والذين يستنبطون الأحكام ويُبيِّنون الصحيح من الفاسد هم العلماء العاملون المستأهلون وحيث أمرنا بالرجوع إليهم دلَّ هذا على أنهم أهل أمانةٍ وثقةٍ وعدالةٍ كيف لا وقد جاء عن الإمام مَالِك صاحب المذهب أنه قال: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ تَأْتِي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ، قَالَ مَالِكٌ:أَرَاهُمْ صَدْرَ (أول) هَذِهِ الْأُمَّةِ” رواه أبو نُعيمٍ في الحِلية. وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”العلماء ورثة الأنبياء” رواه الترمذي وغيره.
فالحذر الحذر من التعرُّض لهم بما لا يليق كما دَرَج عليه بعض الرَّعاع اليوم حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الطعن بأكابر الأئمة كالإمام البخاري وزعم أن الحكم بصحة ما جاء في الجامع الصحيح للبخاري إنما هو اعتمادٌ على توثيق البخاري فقط والبخاري بشرٌ يصيب ويُخطئ وأنه لا يكفي أن تجزم بصحة الخبر اعتمادًا على حكمك بعدالة الشخص فقط فالبخاري ربما أخطأ وربما كان في روايته ما لا يُقبل فهو إنما صحَّح بناءً على رأيه ونظرته فكيف يسوغ لنا اتِّباعه مطلقًا وإزاء ذلك لا بد من الردِّ على هذه الترَّهات فنقول:
يطول الكلام جدًا في تفنيد ما زعمه هذا المدَّعي ولكنني سأقتصر في ردي على ثلاثة محاور فيها شفاءٌ للنفس فأقول:
المحور الأول:
قال الله تعالى:{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونُصله جهنم وسآءت مصيرًا} سورة النساء. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله لا يجمعُ أمتي على ضلالةٍ” رواه الترمذي. دلَّت الآية والحديث على أن إجماع أهل العلم حجَّة والإجماع هو اتفاق المجتهدين (كالأئمة الأربعة وأمثالهم) على مسألةٍ من المسائل في عصرٍ من العصور بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أجمع الأئمة على حكمٍ تبعهم المؤمنون عليه ومن خالفهم فيما أجمعوا عليه فقد ضل وحيث حفظ الله تعالى الأمة أن تُجمع على ضلالةٍ وقد أجمعت الأمة على صحة كتابي البخاري ومسلم فليس لأحدٍ بعد ذلك أن يُشكك بصحة ما جاء في صحيح البخاري لا سيما وقد التزم البخاري أن لا يذكر في جامعه إلا الصحيح كما قال ذلك في مقدمة الكتاب وحكم العلماء كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وهم من اكابر ائمة الحديث الراسخين في العلم وغيرهم بصحة ما فيه إلا أربعة أحاديث لم يوافقوه على الحكم بصحَّتها علمًا أن هذا لا يعني أنها مكذوبة أو ضعيفة وكان ذلك منهم بعد النظر والتمحيص ومعرفة أحوال رجال السند والمتون فإذا كان أهل الصنعة قد نظروا كتاب البخاري وحكموا بصحة ما فيه فهل يكون الطعن بصحته إلا طعنًا بهؤلاء الأئمة وكيف يسوغ لهذا الطاعن أن يقول ما قال فيمن وردت فيهم التزكية من نبيٍ معصومٍ كما مر فيما روي عن عيسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام.
المحور الثاني:
إن نفس الطريقة التي نُقل إلينا فيها القرآن الكريم نُقل إلينا فيها أيضًا الحديث الشريف وقد اختلفت القراءات برواياتٍ ولكل روايةٍ سندٌ متصلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم كالسند المتصل للحديث الشريف وقد أخذنا هذه القراءات وآيات القرآن الكريم من فلانٍ عن فلانٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكمنا بصحة ذلك تصديقًا وثقةً بهؤلاء العلماء فهل سيشكك هذا المدَّعي بالقرآن الكريم كما شكَّك بصحة ما في البخاري بدعوى أن الحكم بصحة ما في القرآن الكريم مبنيٌ على ثقتنا بالقُرَّاء الذين نقلوا إلينا كتاب الله تعالى لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم توفِّي ولم يكن القرآن مجموعًا إنما جُمع في خلافة أبي بكرٍ ونُسخ في خلافة عثمان بعد استشهاد عددٍ كبيرٍ من الذين كانوا يحفظونه عن ظهر قلبٍ أم ماذا هو قائلٌ.
المحور الأخير:
قال الله تعالى عن القرآن الكريم:{إنا نحن نزلَّنا الذكر وإنَّا له لحافظون} سورة الحجر. فقد حفظ الله تعالى القرآن الكريم من التحريف والتبديل وحِفْظُ القرآن الكريم متضمنٌ حفظ السنة الشريفة فنحن مأمورون باتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{ومآ ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} سورة الحشر.
وفي مسند الدارمي عن الأوزاعي عن حسَّانٍ قال: “كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن”
ولا يتأتى الاتباع إلآ إن كانت السنة محفوظة ولولا ذلك لتعذَّر الاقتداء به ولأدى ذلك إلى الحرج في الآمر بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم وليس في الدين حرجٌ قال الله تعالى:{وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ} سورة الحج.
فكيف سيسوغ بزعم هذا المشكك بالجامع الصحيح للبخاري الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما قاله أو فعله أو قرَّره إن ارتفعت الثقة بصحة ما دوَّنه العلماء ولا سيما البخاري فيا أيها المشكك بصحة بتصحيح البخاري:”إن اهتزت الثقة في البخاري وهو جبل الحفظ وأمير المؤمنين في الحديث فمن تُرى من الحفَّاظ سيكون محل ثقةٍ لكنَّ عادةَ الذين غرضهم الطعن في الدين القدحُ فيما جمعه البخاري لأن كتابه الصحيح أصحُّ ما صنَّفه بشرٌ فلا يجرؤ هذا الطاعن على التشكيك بالقرآن الكريم فيقدح فيما جمعه البخاري لا سيما أننا صرنا نسمع مثل هذا الطعن ممن يسمَّون بالقرآنيين ولهؤلاء نقول: أين في القرآن الكريم تفاصيل احكام العبادات والمعاملات وما أدرانا بتفاصيل ذلك لولا الحديث وحقيقة الأمر ان مراد هؤلاء نقض عرى الإسلام
وختامًا نقول: نحن لا ندافع عن البخاري لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هذه صفة كتاب الله وحده
ولكن لأن الامة أجمعت على صحته
قال ابن كثيرٍ في “البداية والنهاية” ” أبو عبد الله البخاري الحافظ إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه وكتابه الصحيح يُسْتَسْقَى بقراءته الغمام وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهلُ الإسلام”
وإنما صححوا كتابه لدقة ما اشترطه البخاري من شروط للحكم بصحة الحديث لذلك كان صحيحه أصح ما صنَّفه بشر ولسنا بصدد ذكر تفاصيل ما اشترطه مما يؤكد مكانة البخاري ونظره الثاقب في هذا الفن وهو من أهل القرون الثلاثة الأولى المشمولين بصفة الخيرية والصدق
في قول النبي صلى الله عليه وسلم:”: “خَيْرُ النّاسِ قَرْني ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ” رواه مسلم والترمذي واللفظ له.
والبخاري ولد سنة 194 هـ وتوفي سنة 256 هـ فما ظنك بمن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق كيف لا يوثق بتصحيحهم لا سيما وقد قال البخاري كما في “سير أعلام النبلاء” للذهبي “صنفت الصحيح في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى”
هذا ولو ذهبنا نسطِّر ثناء الأئمة عليه وإقرارهم بعلمه وفضله لكلِّت الأقلام ونفدت الصحف فاتق الله أيها الطاعن في البخاري فلقد قيل:
يا ناطحًا جبلًا يومًا ليوهنه
أشفق على الرأس لا تُشفق على الجبل.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


