الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

تنبَّه كيف تزكِّي

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى: {ومآ أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيِّمة} سورة البيِّنة.
وعن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بُني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان” متفق عليه.
فرض ربنا تعالى الزكاة وجعلها من أعظم أمور الإسلام وحرَّم منعها بعد الوجوب والتمكُّن ولذلك ينبغي الاعتناء لأمر الزكاة وعدم التقصير في إخراجها وإلا استحق المانع لها لعذاب الله الشديد وينبغي أن يتذكر الغني أن المال مال الله وأن الذي رزقه المال قادرٌ أن يُذهبه عنه وأنه يجب شكر الله تعالى بأداء الواجبات واجتناب المحرَّمات فمن التزم شرع الله تعالى فهو العبد التقي ومن أبى فلا يلومنَّ إلا نفسه فليبادر من وجبت عليه الزكاة إلى إخراجها وليسأل من جهل من الأغنياء أحكامها عمَّا يحتاج إليه من علمٍ لتقع زكاته موقع القبول بدل أن يذهب المال سدًى وحيث لا يكفي هذا المقال لبسط الكلام في أحكام الزكاة نكتفي بالتنبيه على مسائل مهمَّةٍ في هذا الخصوص ونُحيل القارىء الكريم إلى طلب العلم من أهله لإخراج الزكاة على وجهها.
المسألة الأولى
ربما ظن كثيرٌ من الناس أن زمان وجوب الزكاة هو فقط شهر رمضان وليس الأمر هكذا بل تجب الزكاة بحولان الحول في بعض الأموال كالذهب والفضة وأموال التجارة ولا يشترط حَوَلانُ الحول في بعض الأموال كالثمار والزروع التي أوجب الشرعُ الزكاةَ فيها لقوله تعالى:{وءاتوا حقه يوم حصاده} سورة الأنعام والمراد بالحول العام القمري لا الشمسي فينبغي التنبُّه فإن العام القمري أقل من العام الشمسي بنحو عشرة أيَّام فإن انتظر حولان الحول الشمسي يكون قد أخَّر الزكاة وتأخير الزكاة لغير عذرٍ حرامٌ ولذلك ينبغي لمن ملك نصاب الزكاة أن ينتبه لحساب العام ليُخرج الزكاة في وقتها على حسب الشرع لا على حسب الرأي الفاسد
المسألة الثانية
ليعلم أنه يجب إيصال عين مال الزكاة لمستحق الزكاة والأحسن أن تُعطى للخليفة الراشد إن كان للمؤمنين خليفةٌ راشد كأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍ والحسن بن عليٍ وعمر بن عبد العزيز فإن لم يكن خليفةٌ راشدٌ كحال أمتنا اليوم أخرجها بنفسه أو وكَّل إنسانًا ديِّنًا عارفًا بمصارفها بإيصالها إلى مستحقِّيها فإن توكَّل بها أحدٌ فصرف هذا المالَ في حاجة نفسه مثلًا ثم دفع بدله من ماله للمستحق لم يصحَّ، ويستفاد من هذا أن وضع أموال الزكوات في البنوك وتشغيلها بحيث لا يُعرف بعد ذلك عين مال الزكاة ويُعطى المستحق شيئًا من الربويات حرام، وبالتالي ينبغي لمريد الزكاة أن يحتاط في إخراجها ويُمحِّص لاختيار من يوكِّله بصرفها لمستحقيها إن اراد التوكيل فيها فليس كل احدٍ أهلٌ للتوكيل بصرفها وليس كل من ادعى الفقر أو المسكنة فقيرٌ أو مسكينٌ وقد سبق وبينَّا في مقالاتٍ سابقةٍ من هو الفقير ومن هو المسكين بحسب المعيار الشرعي لا بحسب رأي من لا رأي له حتى لا يصرف المال تلو المال ولا تبرؤ ذمته.
المسألة الثالثة
تجب النية القلبية في جميع أنواع الزَّكاة كأن يقول بقلبه مثلًا: هذه زكاة مالي أو هذه زكاة بَدَني (زكاة البَدَن هي زكاة الفِطر) أو يقول بقلبه: هذه صدقة المال المفروضة أو الواجبة، ولا يجب أن يُعيِّن عمَّن يُخرج فلا يُشترط أن يقول هذه زكاة مال فلانٍ أو عن فلان، وتكون النيَّة عند الإفراز أي عند عزل القَدر الذي يريد إخراجه زكاةً عن بقية ماله أو بعد عزل هذا القَدر من المال وقبل تفريقه على المستحقِّين أو عند تفريقه عليهم. ويُستفاد من ذلك أنه لو أعطى صاحبُ الزَّكاة مالًا لشخصٍ بقصد التَّبرع أو المساعدة ثم بدا له بعد ما أعطاه أن يجعله زكاةً لم يصحَّ لخُلوِّه عن النية المجزئة، وكذلك لو كان لشخصٍ على آخر دينٌ فقال له جعلت هذا المال الذي لي في ذمَّتك زكاةً لك فإنه لا يصحُّ أيضًا لخُلوِّه كذلك عن النية المجزئة.
المسألة الأخيرة
لا يجوز إعطاء الزكاة لغير الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة ويجمعهم قوله عزَّ وجل: {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قُلُوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليمٌ حكيم}. وقد بينَّا في مقالاتٍ سبقت المراد من كل صنفٍ فنحيل القارئ إليه ولولا خشية الإطالة لأعدنا البيان لأن كثيرًا من الناس لا يُدركون المعنى المرادَ من ذكر هذه الأصناف، ولذلك ينبغي لمريد الزكاة أن يرجع إلى أهل العلم للسؤال عمَّا يحتاجه، فعن جابرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إنما شفاء العي السؤال” رواه البيهقي. معناه: شفاء الجهل السؤال عن العلم. ولكنني أكرر بيان أَمرٍ مهمٍ وهو أن قوله تعالى {وفي سبيل الله} لا يعني كلَّ عملٍ خيري كما ظنَّ بعض الناس فإن العطف بالواو كما هو معروفٌ في علم العربية يفيد المغايرة، والله يقول {للفقراء والمساكين والعاملين عليها} الآية، فدل العطف بالواو على أن هذا الصنف غير الذي قبله وهذا الصنف غير الآخر وهكذا، والقول بأن {وفي سبيل الله} شاملٌ لكل عملٍ خيريٍ خلاف ما يقتضيه العطف بالواو فلا يصح، وأي تأويلٍ للكتاب والسنة على خلاف العربية باطل فإن الله تعالى يقول:{قرءانًا عربيًا غير ذي عوج} سورة الزمر. ولو كان المراد بسبيل الله كل عملٍ خيريٍ فلماذا ذُكرت بقية الأصناف ولم يُكتف بقوله “في سبيل الله” وكلُّ ذلك في سبيل الله.
ومعلوم في نصوص القرآن والحديث أن “في سبيل الله” عند الإطلاق تنصرف إلى الجهاد فيكون المراد بذلك الغزاة المتطوعين للجهاد في سبيل الله لإعلاء دينه تعالى، ولا تُصرف لفظة “في سبيل الله” لمعنىً آخر بغير قرينة، والنصوص في ذلك كثيرة، فمن حملها على كل عملٍ خيري فقد صرفها عمَّا تقتضيه اللغة العربية لغير دليل. وقد نقل القاضي أبو بكر بن العربي في “أحكام القرآن” عن الإمام مالكٍ الإجماع على أن المراد بسبيل الله في الآية الغزو، وحيث عُلم هذا فإننا ننصح مريد الزكاة بالعلم قبل العمل والحمد لله أولا وآخرا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...