الخميس، 23 يوليو 2026
بيروت
30°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق الأوسط والمنطقة بصورة كاملة. ففي ظرف سنين قليلة استطاعت الثورة ان تحرك وتحفز المشاعر القومية والوطنية العربية في مصر وكل الوطن العربي، بل بين كل شعوب العالم الثالث، ودحرت الاستعمار البريطاني وأجبرته على الانسحاب من الشرق الأوسط ومن منطقة الخليج العربي، واكملت ثورة 1958 في العراق هذه العملية فيما بعد.

كما ساهمت السياسة التحريرية التي انتهجتها القيادة المصرية في جعل القاهرة مركز حركات التحرر في اسيا وأفريقيا، والتي نتج عنها طرد الاستعمار الفرنسي من كل القارة الأفريقية ابتداء من الثورة في الجزائر وانتهاء بأصغر الدول الأفريقية في غرب القارة. وكان لقائدها خالد الذكر جمال عبد الناصر الدور الاول في تأسيس ما عرف بحركة التضامن الآسيوي – الإفريقي وحركة عدم الانحياز. واستطاعت ان تؤمم قناة السويس واعادت ملكيتها للشعب المصري بعد ان كانت بيد بريطانيا وفرنسا، ونجحت في بناء السد العالي الذي لولاه لتعرضت مصر اما لفواجع الجفاف او لكوارث الفيضانات غير المحسوبة. وهذا الأمر حدث حقيقة (للفترة من 1981 إلى 1987) واستطاعت مصر ان تنجو من كارثة الجفاف بسبب الخزين الهائل في بحيرة ناصر خلف السد العالي. علما بان انجاز السد العالي ضاعف المناطق الصالحة للزراعة وسيطر على الفيضانات وحالات الجفاف غير المتوقعة.

لم يكن السد العالي هو الإنجاز الوحيد، فلقد استطاعت الثورة من خلال اتباع إستراتيجية الخطط التنموية ان تبدأ ثورة صناعية كبيرة نقلت مصر إلى مصاف الدول الصناعية المهمة، وبذات تصنيع كل شيء، واستطاعت المصانع المصرية العملاقة منها (الحديد والصلب والسيارات والصناعات العسكرية) والمتوسطة، النسيج والمواد الكهربائية وغيرها، ان توفر للمواطن المصري كل احتياجاته، ناهيك عن الإصلاح الزراعي الذي قضى على الإقطاع والتعليم المجاني لكل المراحل والذي فتح الباب للجميع للتعلم وبدون تميز، والرعاية الصحية.

على الجانب الاخر اصبحت مصر بعد قيام الثورة منارا وهاديا للوطن العربي نحو التحرر، نعم كانت هناك إخفاقات كثيرة وخاصة فيما يتعلق بتحقيق الديمقراطية او بالتعامل مع وجود كيان الاحتلال في فلسطين، وانتقلت هذه الإخفاقات بعد رحيل عبد الناصر وعدم وجود المؤسسات إلى الذهاب إلى المعسكر الأمريكي وتوقيع معاهدات صلح مع الكيان الغاصب جَرَّت دولا عربية اخرى لهذا المنحدر الذي لم ينتج عنه سوى المزيد من التوسع الإسرائيلي والتغلغل الصهيوني داخل الامة العربية.

انه من المؤسف ان ينحسر دور مصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد المذلة وتختار ليس فقط التنازل عن دورها الريادي في الوطن العربي مخلصة فيما يخص القضية الفلسطينية، وغزة بالذات التي وضعت تحت وصايتها بعد عام 1948، وانما عن دورها في الدفاع عن حق المصريين في مياه النيل. فاليوم وبعد اكثر من خمسة عشر عاما على بناء سد النهضة الإثيوبي (بدأ العمل به عام 2011 وانجز في 2025) لم تتخذ مصر اي اجراء فعلي لردع إثيوبيا عن التحكم بالمورد المائي الذي يديم الحياة في مصر، واكتفت ولازالت، بالتهديدات حتى تم اكمال السد وخطوات ملئه والاضرار بحصة مصر. طبعا اكثر من شجع إثيوبيا على بناء السد هو الكيان المحتل لفلسطين، ولا يزال يفعل ذلك، وكذلك تمويل دولة خليجية متصالحة مع الكيان الغاصب. هذه الحالة لم تكن لتحصل لولا ابتعاد مصر عن نهج الثورة، منذ إفساد خطة تحرير سيناء وطرد الاحتلال الصهيوني منها في معركة رمضان المجيدة 1973، ثم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد والاعتراف بالكيان الغاصب وتبادل التمثيل الدبلوماسي معه.

ما يجعل محبي هذه الثورة يتذكرونها اكثر في هذه الايام هو الحديث الذي يجري في دول حوض النيل (مصر والسودان بالذات) عن كارثة تمس شريان الحياة فيها حيث بدات إثيوبيا بممارسة اساليب نتج عنها تقليل إمدادات المياه وخلق حالة جفاف خطير في حوض النيل الأزرق في السودان تنذر بالانتقال إلى مصر. لقد أمضت مصر 13 عاما من المفاوضات العقيمة مع إثيوبيا، ووقعت معها اتفاقا لتامين تقاسم المياه (2015) ولكن الأخيرة لم تلتزم به. ولا تزال إسرائيل تشجع إثيوبيا في المضي قدما في حجب مياه النيل عن مصر بالذات. حكومة أديس أبابا ادعت ان اجراءاتها هي حق وطني يساهم في زيادة الأراضي الزراعية وتوليد الطاقة الكهربائية، إلا ان خبراء كتبوا ان كل هذه الإجراءات لم تحسن انتاج الطاقة الكهربائية في إثيوبيا، لا بل ان خزانات سد النهضة لم تعد كافية لاستيعاب كميات المياه الهائلة التي تحتجزها إثيوبيا مما حدا بها إلى تسريب كميات كبيرة منها إلى الصحارى وبدون اي فائدة، والمشكلة الاخرى التي يركز عليها الخبراء هي ان هناك عيوبا خطيرة في بنية وهيكل السد قد تؤدي إلى انهياره في اية لحظة وحدوث فيضانات وكوارث بيئية لا يمكن السيطرة عليها في كل دول حوض النيل.

نعم ما أحوجنا اليوم إلى مصر الثورة، مصر عبد الناصر التي لم تكن للتهاون مع هكذا مخاطر تهدد الامن القومي المصري والعربي.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...

رزان أكرم زعيتر: الاستحواذ “جاب الدب على كرمنا” أمثلة من سوريا والمغرب والأردن

اقرأوا هذا المقال الاستراتيجي ، وتذكروا المناضل والمفكر القومي أكرم زعيتر هذا هو المقال الثاني الذي أكتبه عن هذا الموضوع الهام جداً بعد أن أدركت أن واجب الكلمة يوازي في أهميته...

عبد الناصر... مدرسة في مقاومة الاستعمار ونصرة فلسطين

في الثالث والعشرين من تموز من كل عام، تستعيد الأمة العربية واحدة من أكثر المحطات تأثيراً ‏في تاريخها الحديث، يوم انطلقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، ليس بوصفها ‏حدثاً...

المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني: بين مقتضيات الأمن ومعيار السيادة

في العلوم العسكرية، لا تُقاس قيمة أي ترتيبات أمنية بالشعارات التي ترافقها، وإنما بمدى اقترابها من تحقيق الهدف الاستراتيجي الأعلى للدولة. وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد هدف أعلى من...

وكان معي جمال عبد الناصر في أفريقيا و مطارصنعاء

لم اذهب إلى مكان ما على وجه الأرض إلا وقد وفر لي عبد الناصر قدرا من التقدير والإحترم  كوني مصريا أنتمي إلى بلد الزعيم ، وفي مواطن كثيرة بكيت من محبة أهل الأرض لهذا الرجل.. في مطار...