الثلاثاء، 11 أغسطس 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

اميركا تتغير في حدود المسموح !!

ما كان بالغ الصعوبة قبل أربعين عاما أصبح اليوم يُقال على المنابر

عملت سفير ً ا لبلادي في نيويورك وواشنطن في
ثمانينيات الـقـرن الماضــي، فتعلمت أن السياسة
الأمريكية، على اتساع حريتها، كانت لها مناطق
يـعـرف كــل سـيـاسـي وإعلامـــي حــدود الاقــتــراب
منها. لم تكن تلك الحدود مكتوبة في دستور أو
قـانـون، بل كانت حاضرة في الثقافة السياسية
وحسابات الانتخابات والتمويل والإعلام. وكانت
العلاقة مع “إسرائيل” في مقدمتها.
كـان بالإمكان أن تختلف مع حكومة إسرائيلية
فــي مـسـألـة جـزئـيـة، أو تــدعــو إلــى الـــسلام. لكن
نقد العلاقة الخاصة مع “إسرائيل”، أو نفوذ لجنة
الـشـؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC،
كان له ثمن يعرفه من يقترب منه.
فــي عــام 1984 خـسـر الـسـيـنـاتـور الـجـمـهـوري
تشارلز بيرسي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية
بـمـجـلـس الــشــيــوخ، مـقـعـده بـعـد حـمـلـة شـاركـت
فيها بقوة أمـوال وشخصيات مؤيدة “لإسرائيل”.
وفـي مطلع التسعينيات، دخـل جـورج بـوش الأب
فـي مـواجـهـة مـع حـكـومـة إسـحـاق شـامـيـر حـول
ضمانات قروض مرتبطة بالاستيطان، حتى وجد
رئـيـس الــولايــات المـتـحـدة نفسه يشكو عـلـنـا من
ضغط واقع على الكونغرس. لا أزعم أن “إسرائيل”
كانت تتحكم في أمريكا؛ هذا تعميم غير منصف.
لـكـن الـتـأيـيـد لـهـا كــان جـــزءً ً ا راسخاً ً مــن بنية السياسة
الاميركية ، تحرسه مصالح انتخابية
وتنظيمية قوية.
أستعيد هذه الصورة اليوم، وأسأل: ما الذي تغير؟
فما كـان بالغ الصعوبة قبل أربــعين سنة أصبح
اليوم يقال على المنابر، من سياسيين وإعلاميين
لا ينتمون إلى اتجاه واحد.
في ميشيغان، فاز عبد الرحمن السيد، الأمريكي
المسلم ابن مهاجرين مصريين، بترشيح الحزب
الديمقراطي لمجلس الشيوخ. لم يخف موقفه من
حرب غـزة، ودعـا إلى وقف المساعدات العسكرية
“لإسرائيل”. وأنفقت جهة مرتبطة بــAIPAC نحو
ثلاثين مليون دولار لإسـقـاطـه، رقـم قياسي في
سباق تمهيدي واحــد، ومـع ذلـك فـاز، وإن بفارق
ضـئـيـل. لا يعني هــذا أن نـفـوذ AIPAC انتهى؛
فالمنظمة حققت انتصارات أخـرى ولا تـزال قوية
مالياً وتنظيميا ً ،لكنه يعني أن المال الهائل لم يعد كافياً لإســكــات خـصـمـه، بــل قــد يـتـحـول تدخله نفسه إلى سلاح
يستخدمه المرشح ضده.
وهذه جديدة.
وقبله، برز زهران ممداني في نيويورك بخطاب
اقتصادي يضع كلفة السكن والمعيشة في قلب
السياسة، وبموقف شديد النقد لحرب غزة ونفوذ
AIPAC. ولـم يمنعه ذلـك مـن الـفـوز بعمدة أكبر
مدينة أمريكية، التي تضم أكبر تجمع يهودي في
العالم خارج “إسرائيل”. بل طالب بأن تنفذ السلطات
الفيدرالية مذكرة الجنائية الدولية إذا زار نتنياهو
نيويورك.
المـسـألـة عـنـدي لـيـسـت الاتــفــاق مــع كــل مــا يقوله
ممداني أو السيد، بل إن مثل هذا الخطاب أصبح
ممكناً ا انتخابيا ً ا.
والأعـجـب أن الـظـاهـرة تتجاوز اليسار الأمريكي
كله. ففي الطرف الآخر يقف تاكر كارلسون، أحد
أبـرز أصـوات تيار MAGA، وقد أصبح من أشد
المنتقدين داخـل اليمين لما يـراه انحراف السياسة
الأمريكية عن شعار «أمريكا أولا ً » لصالح الحروب
الـخـارجـيـة. وصـل خلافــه مـع تـرامـب حـول إيـران
وإسرائيل” إلى مواجهة علنية، وفي السادس من
أغسطس طــرح تـصـور اًمـن عشر نـقـاط يرفض
فيها الحروب الخارجية غير الضرورية للمصلحة
الأمريكية، معتبر ً ا الداخل الأمريكي نقطة البداية
في تحديد أولويات الدولة.
فالبعض يصل إلى نقد “إسرائيل” من باب حقوق
الإنــســان العدالة للفلسطينيين. والـبـعـض الآخـر
يصل إلـيـه مـن ســؤال مختلف تماماً ً : لماذا يدفع
الأمريكي ثمن حروب لا يراها ضرورية؟ تختلف
الــدوافــع، لـكـن الــســؤال الـــذي كــان يصعب طرحه
أصـبـح مـطـروحاًمـن جـهـات متباعدة. وهــذا، في
نظري، أهم من الأشخاص جميعاًً ،
بل إن التحول وصل إلى داخـل المجتمع اليهودي
الأمــريــكــي نـفـسـه. وهــنــا لا بــد مــن الــدقــة: ليس 37% ممن دون الخامسة
والأربعين في أمريكا يرون
ما فعلته “إسرائيل” في غزة
إبادة جماعية
المال الهائل لم يعد كافياً
لإسكات الخصم بل قد يتحول ضد
صاحبه
لم يعد بمقدور أي
مؤسسة مهما بلغ نفوذها
أن تتحكم في السردية
كما كانت تفعل من قبل
عمدة نيويورك يواجه
AIPAC علناً ،ومرشح
مسلم يفوز على الرغم من ملايين
الدولارات لإسقاطه.
أمريكا لم تغيرّ سياستها
تجاه “إسرائيل” لكن تغيّرت
فيها مساحة الكلام عن الكيان الصهيوني
غير صحيح أن اليهود الأمريكيين أصبحوا معادين “لإسـرائـيـل”، ولا يـجـوز الخلط بين نقد حكومتها
ونقد الصهيونية ومعاداة السامية — هذه مسائل
مختلفة تماما ً ،لكن المجتمع اليهودي الأمريكي لم
يعد كتلة واحـدة في علاقته “بإسرائيل”. منظمات
مثل Jewish Voice for Peace وIfNotNow
جعلت إنهاء الاحتلال محور ً ا لنشاطها، ولا تمثل
كــل الـيـهـود الأمــريــكــيين، لـكـنـهـا أصـبـحـت جـــزءً ا
واضـحاً مـن المـشـهـد. وتـؤكـد الاسـتـطلاعـات هذا
الانـقـسـام لا شــعــارات الـنـاشـطين وحــدهــم: ففي
يـولـيـو الماضـــي، قــال 37 فــي المـئـة مـمـن هــم دون
الخامسة والأربعين إن ما فعلته إسرائيل في غزة
يرقى إلـى إبـادة جماعية، مقابل 23 في المئة بين
الأكبر سن ً ا.
وحين نوسع الـدائـرة إلـى المجتمع الأمـريـكـي كله،
تتضح الصورة أكثر: أظهر استطلاع في أبريل أن
60 في المئة من الأمريكيين أصبحت لديهم نظرة
سلبية إلى “إسرائيل”، ارتفاعاً من 53 في المئة قبل
عـام فقط. أرقــام لـم تكن مألوفة فـي أميركا التي عرفتها .
ما الذي صنع هذا التحول؟ لا سبب واحـد ً ا. جيل
جـديـد لــم يـعـش “اسـرائـيـل” كـمـا صــورهــا الإعلام
المـسـيـطـر عـلـيـه، بــل يــراهــا عـبـر الــصــور الـيـومـيـة
من غـزة والضفة. وتغير ديموغرافي جعل أبناء
المهاجرين جزءا ًمتزايد ًامن السياسة الأمريكية
لا هـامـش ً عليها. ومـواطـن يقلقه سـعـر السكن
والتأمين الصحي، أصبح أكثر استعداد ً ا للسؤال
عـن مليارات تُنفق فـي الـخـارج — سـؤال يجمع،
على نحو لافـت، بعض شباب التيارات التقدمية
ببعض أنصار «أمريكا أولا ً ».
ولـعـل العامل الأكـثـر حسم ً ا فـي هـذا التحول هو
ذلــك الــذي لـم يـكـن قـائـمـا حين عملت سـفـيـر ً ا في
واشــنــطــن: عــالــم ٌ تــحــو ّ ل إلـــى قـريـة صـغـيـرة عبر
سلطة خامسة لم تكن موجودة. ففي تلك الحقبة،
كـانـت الــروايــة الـرسـمـيـة تُـصـاغ وتُـــدار مـن غـرف
مغلقة، تحتكرها المـؤسـسـات الإعلامـيـة الكبرى
وتـمـررهـا إلـى الجمهور مهذبة ومنمقة بحيث،
يصل المشهد إلـى المـواطـن الأمريكي بعد أن يمر
عبر مصفاة من التحرير والتأويل. أما اليوم، فقد
سقط ذلـك الاحتكار. لم تعد الصورة تحتاج إلى
إذن من غرفة تحرير لتصل إلى ملايين الهواتف
في اللحظة نفسها التي تقع فيها الحادثة، ولم يعد
بمقدور أي مؤسسة، مهما بلغ نفوذها، أن تتحكم
في السردية كما كانت تفعل من قبل. وقد رأينا
أثر ذلك بوضوح في غزة: فالمشاهد التي وصلت
مباشرة من المـيـدان، من دون وسيط ولا تعديل، هي
التي شكلت وعي جيل بأكمله، وحو ّ لت التعاطف
الإنـسـانـي إلـى موقف سياسي يصعب تجاهله.
وهذا فارق جوهري بين اميركا التي عرفتها في
الثمانينيات، وأميركا اليوم: لم تعد الرواية الرسمية
تملك الكلمة الأخيرة. ثم جاءت غزة.
وأقـولـهـا كعربي ومسلم لا يستطيع أن يتعامل
مـع آلام الـشـعـب الفلسطيني كـأرقـام فـي تقرير
سـيـاسـي: كـانـت المـشـاهـد الـقـادمـة منها صـادمـة
لـلـضـمـيـر الإنــســانــي. لـكـن الــواجــب فــي التحليل
ألا يـجـعـل مـوقـفـنـا الأخلاقــــي يـسـتـبـق الـنـتـائـج.
فالتحالف الاميركي الإسـرائـيـلـي لا يــزال قـويـا،
والمـؤسـسـات المــؤيــدة لإسـرائـيـل لا تــزال شـديـدة
النفوذ، والكونغرس لا يـزال أكثر تأييد ًالها من
واسـع الــرأي الـعـام. وفـي المقابل ارتـفـاع مقلق في
مـعـاداة السامية والاعــتــداءات على الـيـهـود، يجب
رفضه بلا تردد، تمام ً ا كما نرفض الإسلاموفوبيا
والــعــنــصــريــة ضــد الــعــرب والمــســلــمين. فـالـنـقـد
المشروع لسياسة دولة أو جماعة ضغط لا يجوز
أن يتحول إلى عداء لدين أو شعب.
لـذلـك لا أقــول إن اميركا غـيـرت سياستها تجاه
“إســرائــيــل” أقــــول شـيـئًـا أقــل مــن ذلــــك، لـكـنـه بـالـغ
الأهمية: تغيرت فيها مساحة الكلام عن “إسرائيل”.
والــفــرق بين الــعــبــارتين كـبـيـر. فـالـسـيـاسـة تبقى
ســنــوات بـعـد أن يـتـغـيـر المـجـتـمـع الــذي صنعها؛
المؤسسات أبطأ من الأفكار، والكونغرس أبطأ من
الجامعات. لكن السياسات لا تعيش إلى الأبد إذا
تغيرت القاعدة التي تحملها.
عشت زمن ًا في واشنطن كان السياسي يحسب
ألـف حساب قبل أن ينتقد AIPAC. والـيـوم أرى
مرشحاً مسلماً يفوز على الرغم من عشرات الملايين التي
أُنـفـقـت ضــده، وعـمـدة نـيـويـورك يـواجـه AIPAC
علنياً ً وإعلامــياً مــن قـلـب الـتـيـار المـحـافـظ يعيد
تـعـريـف «اميركا أولاً »، وشـبـابًـا يهوداً ً يعيدون
النظر في علاقة هويتهم بدعم حكومة “إسرائيل”.
أحـداث متباعدة الدوافع، ومن الخطأ وضعها في
سلة واحــدة. لكن اجتماعها في زمـن واحـد ليس
أمر ً ا عابر ً ا.
هـل تـتـحـول هــذه الـظـاهـرة إلــى سـيـاسـة جـديـدة؟
مـن المـبـكـر الــقــول. هـل يستطيع المال السياسي
احتواءها؟ ربما.
لكنني بعد أكثر من أربعة عقود من متابعة أميركا منذ عملت سفير ً ا فيها، أستطيع القول: إن شيئًا
يستحق التأمل قد تغير.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ يوم يصدر القرار. تبدأ
يوم يصبح السؤال الممنوع سؤالا ً مشروعاً واميركا
اليوم تسأل عن “إسرائيل “وفلسطين والمال والنفوذ
، بجرأة لم تعرفها في الثمانينيات. أما إلى
أين تقود هذه الأسئلة، فذلك فصل لم ُ يكتب بعد.

الكاتب هو وزير الدولة –
رئيس مكتبة قطر الوطنية

المصدر
جريدة الشرق القطريةً

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إعفاء ضابطين كبيرين من "الموساد" وضعا خطة حالمة لاسقاط النظام الايراني

كشف تقرير إعلامي إسرائيلي، مساء الخميس، بأن رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان قرر إنهاء مهام مسؤولين كبيرين في الجهاز، على خلفية إخفاق خطة عملياتية كانت تهدف إلى إسقاط النظام...

لا خالق إلا الله تعالى

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى أما بعد فيقول الله تعالى في القرآن الكريم:{قل الله خالق كل شىءٍ} سورة الرعد. وقال تعالى أيضًا:{وخلق كل شىءٍ فقدَّره تقديرًا} سورة...

ابداع شيطاني

أفادت مصادر مطلعة بأن الأجهزة الأمنية أوقفت عدداً من موظفي الإدارات العامة في مدينة النبطية، إثر تورطهم في صياغة وترويج إشاعات مضللة منسوبة لوسائل إعلام إسرائيلية، بهدف التهرب من...

دعوة الى تطبيق قانون مقاطعة "إسرائيل" على الصحناوي ..

رجل الميليشيا أنطون الصحناوي والمبعوثة الصهيواميركيةمورغان أورتاغوس يستضيفان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وزوجته سارة خلال حفل تكريمي أقاماه في واشنطن تكريماً للسيناتور...

بين الهواية والعبث… تتهاوى المؤسسات،

إدارةُ الدولةِ سياسةٌ لا هواية فهي تقوم، قبل كلّ شيء، على احترام القوانين والأعراف والمبادئ الأخلاقية. ولسنا هنا في معرض الخوض في سياسات الحكومة وأدائها في قضايا الإقليم وتشابك...