الأحد، 16 أغسطس 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من مكتب محاماة طردها بسبب فلسطين إلى أبواب الكونغرس..

ميلات كيروس تهزم نائبة حكمت المقعد 30 عامًا

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

لم تكن نتيجة عادية في انتخابات تمهيدية عابرة، بل زلزالًا سياسيًا ضرب قلب المؤسسة الديمقراطية الأميركية، بعدما نجحت الشابة الإثيوبية الأصل ميلات كيروس، البالغة من العمر 29 عامًا، في هزيمة النائبة المخضرمة ديانا ديجيت، التي احتفظت بمقعدها في مجلس النواب الأميركي طوال 15 دورة متتالية، أي ما يقرب من ثلاثة عقود.
المفارقة التي تختصر حجم التحول أن كيروس وُلدت في إثيوبيا عام 1997، وهو العام نفسه الذي بدأت فيه ديجيت عملها داخل الكونغرس. وبينما كانت النائبة المخضرمة تبني نفوذها في واشنطن، كانت الطفلة المهاجرة تبدأ رحلتها في الولايات المتحدة، قبل أن تكبر وتعود بعد 29 عامًا لتُنهي واحدة من أطول المسيرات السياسية في كولورادو.
إنها لحظة تقول بوضوح إن التاريخ لا يحترم المقاعد المحجوزة، وإن سنوات البقاء في السلطة لا تمنح أحدًا حق امتلاكها إلى الأبد.
من إثيوبيا إلى قلب السياسة الأميركية
وصلت ميلات كيروس إلى الولايات المتحدة مع أسرتها وهي طفلة صغيرة، ثم درست العلوم السياسية والاقتصاد قبل أن تحصل على شهادة القانون من جامعة نوتردام عام 2022، وتعمل في واحدة من كبرى شركات المحاماة في نيويورك.
لكن نقطة التحول الكبرى في حياتها جاءت عام 2023، عندما كتبت رسالة علنية تنتقد فيها الخلط بين معاداة السامية وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، ودافعت عن حق طلاب الجامعات في الاحتجاج على الحرب في غزة.
رفضت كيروس حذف ما كتبته، فخسرت وظيفتها في شركة المحاماة. غير أن الباب الذي أُغلق في وجهها داخل عالم الشركات فتح أمامها بابًا أكبر في عالم السياسة.
خرجت من مكتب المحاماة مطرودة بسبب موقفها، ثم عادت بعد أقل من ثلاث سنوات مرشحة فائزة بتذكرة حزب كبير، وعلى بعد خطوة واحدة من دخول الكونغرس الأميركي.
حين تتحول العقوبة إلى شهادة شجاعة
ربما اعتقد الذين فصلوا كيروس من عملها أنهم يعاقبون محامية شابة ويضعون نهاية لمستقبلها المهني، لكنهم صنعوا من حيث لا يريدون قصة سياسية يصعب تجاهلها.
فالمرأة التي دفعت ثمن موقفها من فلسطين لم تتراجع، ولم تعتذر كي تستعيد وظيفتها، ولم تبحث عن طريق أكثر أمانًا، بل اختارت الانتقال من الدفاع عن رأيها داخل مكتب مغلق إلى الدفاع عنه أمام ملايين الناخبين.
وهنا تكمن قوة قصتها: لم تستخدم فلسطين شعارًا انتخابيًا بعدما أصبحت مرشحة، بل دفعت ثمن موقفها قبل أن تمتلك منصبًا أو نفوذًا أو جمهورًا سياسيًا.
تمرد شبابي داخل الحزب الديمقراطي
فوز كيروس لا يمكن اختزاله في عمرها أو أصولها الإثيوبية، فهو جزء من تمرد سياسي متصاعد داخل الحزب الديمقراطي تقوده أجيال شابة لم تعد مقتنعة بأن مواجهة دونالد ترامب تكون بتكرار الوجوه والسياسات القديمة نفسها.
حصلت كيروس على دعم السيناتور بيرني ساندرز، ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا، وحركة «ديمقراطيو العدالة»، وخاضت حملتها تحت شعار يعيد السياسة إلى أصحابها الحقيقيين: «السلطة للشعب».
برنامجها لا يكتفي بمواجهة ترامب، بل يذهب إلى مواجهة نفوذ الشركات الكبرى وجماعات الضغط، والدعوة إلى توفير الرعاية الصحية للجميع، ومعالجة أزمة السكن، وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك الأميركية، ووقف الدعم العسكري لإسرائيل، وإنهاء ما تصفه بالإبادة الجماعية في فلسطين.
رسالة إلى ترامب والمؤسسة الحزبية معًا
قالت ديانا ديجيت إن خبرتها الطويلة ضرورية لمواجهة ترامب، لكن الناخبين ردوا بأن الخبرة التي لا تُنتج تغييرًا قد تتحول بمرور الزمن إلى جزء من الأزمة.
لم يختر ناخبو دنفر مرشحة شابة لمجرد أنها شابة، بل اختاروا صوتًا رأوا أنه أقرب إلى أوجاعهم: تكلفة العلاج، وغلاء السكن، ونفوذ المال السياسي، وسياسات الهجرة، والحرب في غزة.
إنه إنذار مزدوج: إلى ترامب الذي يعتقد أن الخطاب القومي المتشدد قادر على إخضاع أميركا، وإلى قيادات الحزب الديمقراطي التي تتصور أن الناخبين سيواصلون دعمها فقط لأن البديل الجمهوري أكثر سوءًا.
فالناس لا يريدون حزبًا يكتفي بإدارة الخوف من ترامب؛ يريدون حزبًا يمتلك مشروعًا حقيقيًا لتغيير حياتهم.
فلسطين لم تعد قضية هامشية
تحمل نتيجة كولورادو دلالة مهمة تتجاوز حدود الولاية، وهي أن تأييد الحقوق الفلسطينية لم يعد بالضرورة طريقًا إلى العزلة السياسية داخل الولايات المتحدة.
لقد خاضت كيروس الانتخابات بموقف معلن من الحرب على غزة، ورفضت تلطيف خطابها لإرضاء جماعات الضغط، ومع ذلك هزمت نائبة تمتلك خبرة تقارب عمرها كله.
هذا لا يعني انتهاء نفوذ اللوبيات الداعمة لإسرائيل، ولا أن الرأي العام الأميركي أصبح موحدًا خلف فلسطين، لكنه يعني أن جدار الخوف بدأ يتشقق، وأن جيلًا جديدًا بات أكثر استعدادًا للفصل بين معاداة اليهود، وهي مرفوضة، وبين انتقاد حكومة إسرائيل ومحاسبتها على أفعالها.
خطوة باقية قبل كتابة التاريخ
ورغم قوة الانتصار، فإن الدقة تقتضي القول إن ميلات كيروس لم تصبح عضوة في الكونغرس بعد، بل فازت بترشيح الحزب الديمقراطي، وستواجه المرشحة الجمهورية كريستي بيترسون في الانتخابات العامة المقررة يوم 3 نوفمبر 2026.
لكن الدائرة الأولى في كولورادو، التي تضم معظم مدينة دنفر، تُعد معقلًا ديمقراطيًا آمنًا؛ ولذلك تُرجح التوقعات فوز كيروس وانتقالها إلى واشنطن في يناير 2027.
وإذا تحقق ذلك، فستصبح أول أميركية من أصول إثيوبية تصل إلى الكونغرس، وأول امرأة من «جيل زد» تشغل مقعدًا فيه، وكذلك أول امرأة سوداء تمثل ولاية كولورادو في مجلس النواب. مركز المرأة والسياسة الأميركية بجامعة روتجرز⁠�
«هذه مجرد البداية»
صعدت كيروس إلى منصة احتفالها تحت لافتة كُتب عليها «السلطة للشعب»، وقالت وسط هتافات مؤيديها: «نحن ننتصر من الساحل إلى الساحل.. نحن نستعيد حزبنا وبلدنا».
قد يختلف البعض مع أفكارها الاشتراكية أو مواقفها السياسية، لكن من الصعب تجاهل الرسالة التي حملها فوزها: لا يوجد مقعد أبدي، ولا سياسي أكبر من المحاسبة، ولا مؤسسة تستطيع إلى الأبد إسكات جيل قرر أن يرفع صوته.
من طفلة مهاجرة وُلدت في إثيوبيا، إلى محامية فقدت وظيفتها لأنها رفضت حذف موقفها، ثم إلى مرشحة شابة أسقطت واحدة من أقدم نائبات الكونغرس؛ تكتب ميلات كيروس قصة تقول إن الكلمة التي يُعاقَب صاحبها اليوم قد تتحول غدًا إلى حركة سياسية كاملة.
وإذا وصلت إلى الكونغرس في نوفمبر، فلن تدخل واشنطن وحدها؛ سيدخل معها جيل جديد يرى أن فلسطين قضية عدالة، وأن الرعاية الصحية حق، وأن السياسة ليست ملكًا للأثرياء، وأن ثلاثين عامًا فوق المقعد لا تجعل صاحبه خالدًا.
لقد سقطت النائبة التي بقيت ثلاثين عامًا، وبقيت الرسالة التي اختصرتها كيروس في أربع كلمات:
«هذه ليست سوى البداية».

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الأمير مجيد أرسلان... بطل الاستقلال ورمز الدولة وأسطورة لا تتكرر

في تاريخ لبنان رجال كبار لا تمحوهم السنون، ومنهم الأمير مجيد أرسلان. سليل العائلة الأرسلانية العريقة الضاربة في عمق التاريخ العربي لأكثر من 1200 عام، ورجل دولة بامتياز، وزعيم وطني...

ترامب في المتاهة الإيرانية!

في الأيام الأخيرة، بدت صورة إيران على قدر أكبر من التماسك الداخلي، في حين بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تائها مبعثرا، وميالا إلى استعارة طرق التفاوض الإيرانية، وطلب تعويضات...

«الحدث الضخم» وتأجيل الانتخابات الإسرائيلية: هل تستعد إسرائيل لسيناريو أمني يعيد تشكيل المعادلة السياسية؟

مقدمة: عندما تصبح الانتخابات جزءًا من معادلة الأمن القومي في الديمقراطيات المستقرة، تكون الانتخابات آلية لتجديد الشرعية السياسية. أما في الدول التي تعيش داخل بيئة أمنية صراعية،...

التواصل الاجتماعي: نعمة أم نقمة؟

في زمن تتسارع التكنولوجيا أصبح الإنسان مقيدا بمواكبة التطور، يلهث وراء المستجدات مما يقدمه التواصل الاجتماعي (تويتر، فايس، انستغرام ، تكتوك…(. وغالبا ما نطرح فكرة القبول...

الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان... إمام الوحدة وراعي المحبة

منذ رحيل المغفور له الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، خسر لبنان ركناً من أركان الاعتدال، وخسرت الأمة عالماً من علماء الوحدة، ورجل دولة...

الاعتراف بسيادة دولة على إقليم محتَلّ: الجولان السوري أمام اختبار القانون الدولي

أعاد القرار الكولومبي، المعلن في 10 الجاري، الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي في الشرق الأوسط. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها...