الجمعة، 11 سبتمبر 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

أَتْبَعَه الشيطان فَغَوى

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا فاقصُص القَصص لعلهم يتفكرون} سورة الأعراف.
اختلف أهل التفسير فيمن نزلت هذه الآية فقيل: نزلت في أُميَّة بن أبي الصلت وقيل: نزلت في غيره، ولأهل التفسير في ذلك كلامٌ. وممن قال إنه أميَّة بن أبي الصلت عبدُ الله بن عمرو بن العاص وسعيدُ بن المسيب والليثُ بن سعدٍ كما نقل ذلك من أهل التفسير الطبري والبغوي وابن الجوزي والسمعاني وغيرهم، وأخرج النسائي في “السنن الكبرى” عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى “ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها” قال: هو أُميَّة بن أبي الصلت. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال:”قدمت الفارعة أخت أُمَيَّة بن أبي الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة فقال لها: هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟ قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها.
واسم أبي الصلت ربيعة بن عوف وكان أميَّة قد قرأ الكتب المتقدِّمة وكره عبادة الأوثان وبلغه أن نبيًا قد أظل زمانه وكان يطمع بزعمه أن يكون هو نبي آخر الزمان فلما بلغه مبعث النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم كفرَ به حسدًا وتكبُّرًا، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”وكاد أُميَّة بن أبي الصلت أن يُسلم” وعن عمرو بن الشَّرِيد عن أبيه قال: كنت رِدف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته مائة قافيةٍ من قول أمية بن أبي الصلت الثقفي كلما أنشدته بيتًا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: “هِيِه” (أي يستزيده)، حتى أنشدته مائةً يعني بيتًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كاد ليُسلم. رواهما الترمذي.
معاندة
فهذا رجلٌ عرَف الحق وأدرك صدق نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بل ذكر السيوطي في “الدر المنثور” “أن أمية هذا اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه شيئًا من سورة يس فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قام أمية يجر رجليه فتبعته قريشٌ تسأله: ما تقول يا أمية؟ فقال: أشهد أنه على الحق. قالوا: فهل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمري. ثم خرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدرٍ فلما أُخبر بما جرى على كفار قريشٍ رجع إلى الطائف فمات بها ولم يؤمن. وقال ابن كثيرٍ في “تفسيره”: “فإنه (أي أمية هذا) كان قد اتصل إليه علمٌ كثيرٌ من علم الشرائع المتقدِّمة ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرةٌ ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم”.
فاعجب لذلك أشد العجب وكم في زماننا من أناسٍ تتكشَّف لهم الحقائق ساطعةً ويرون الحق أبلج كالشمس ثم يتكبَّرون عن التسليم والتصديق بما أمر الله تعالى به، وقد قيل: “ما قصم الظهور مثل حب الظهور”. وفيما نزل من الذكر الحكيم في شأن أمية هذا عبرةٌ لمن يعتبر فإن الانصياع للحق فضيلة ومن ظن كرامة النفس في الكبر والعناد فهو من أجهل الجاهلين، فمع ما أُوتي هذا الرجل من علمٍ ومعرفةٍ آثر الضلال وانسلخ من الهدى كما تنسلخ الحية من جلدها أي تركه وأعرض عنه وصيَّره الشيطان تابعًا له فانتهى إلى طاعة الشيطان وصار أسيرَ وسوستِه في معصية الله تعالى فكان من الغاوين أي الهالكين، وهذا معناه أن المرء وإن كان ذا علمٍ واسعٍ إن لم يوفِّقه الله تعالى للهدى لا ينتفع بعلمه ويؤيد هذا المعنى قوله عزَّ وجلَّ:{واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} سورة الأنفال. قال أبو حيَّان في “البحر المحيط”: “قال ابن عبَّاسٍ يحول بين المؤمن والكفر (أي يحفظه من الكفر) وبين الكافر والإيمان” وقد علم الله في الأزل ما يكون من شأن أمية هذا وما علم الله حصوله فقد شاء حصوله، وجرى بالتالي عليه ما جرى، ودلَّ قوله تعالى “ولو شئنا لرفعناه بها” على أن الهدى بخلق الله تعالى فلو شاء الله أن يُشرِّفه لفَعَل، ولكن علم الله أنه لا يؤمن مهما رأى من الآيات والبراهين وهكذا الكفَّار المعاندون، وقد قال الله تعالى فيهم:{ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهُوا عنه وإنهم لكاذبون} سورة الأنعام. فقد علم الله تعالى أن هؤلاء الكفَّار لو رُدوا إلى الدنيا ولن يُردُوا لعادوا لما نُهوا عنه من الكفر والمعاصي وأنهم كاذبون، ومن فهم هذا فليقف عند حدِّ الشرع فإن الله يفعل ما يريد، وما كان من أمية إلا أن أخلد إلى الأرض أي رمى بنفسه إلى الأرض أي إلى ما فيها من الشهوات أي رغب فيها واتَّبع الهوى فمال إلى السفاهة وتقاعس عن قبول الحق بانسلاخه من الآيات، فكان مثَلُه كمثل الكلب إن تحمل عليه أي تطرده يلهث وليس المراد أن الكلاب يُحمل عليها كما يُحمل على الإبل ونحوها، يقال: “حمل على القوم أي هجم عليهم” أو تتركه يلهث أي فصفته كصفة الكلب إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تركته لم يحملها كالكلب إن كان مطرودًا لهث وإن كان رابضًا لهث، واللهْثُ التنفس بسرعةٍ وتحرك أعضاء الفم معه وامتداد اللسان. وكما أن اللهث صفةٌ لازمةٌ للكلب كذلك مثل الذين كذَّبوا بآيات الله، يعني أن المثل الذي ضربه الله للذي انسلخ من الآيات كمثل القوم الذين كذَّبوا بآيات الله فعمَّ هذا المثل جميع المكذِّبين بآيات الله ووجه التمثيل بينهم وبين الكلب اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا وإن تُركوا لم يهتدوا وقوله تعالى “فاقصص القَصص” أي يا محمد على قومك “لعلهم يتفكَّرون” أي فيتعظون.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

أرجوكم تخلصوا من تلك النفايات الفقهية التي تتصادم مع القرآن.

١-عذاب القبر ونعيمه. ٣-إرضاع الكبير ٣-استحلال نكاح الرضيعة وأنه يجوز تقليلها وتفخيذها والاستمتاع بيدها لكن لا يطأها زوجها حتى تتحمل الوطئ. ٤-وأن قتل المرتد شريعة ٥-وقتل تارك...

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الآخر بعثةً والأول فضلًا

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب...

تزكية الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباد الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{لقد جآءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ} سورة التوبة. ماذا عساك...

المحبة الصادقة هكذا نحب رسول الله ﷺ...

إذا كان مولد النبي ﷺ وإن إختلف الناس في تاريخه هو ذكرى تُوقظ فينا المحبة ، فإن المحبة التي لا توقظ الأخلاق تبقى عاطفةً ناقصة ، وإذا كانت سيرته ﷺ طريقًا إلى الله ، فإن السير فيها...

إقرأ العار والتنافض كله بصحيح البخارى. ومع ذلك يزعمون انه أصح كتاب بعد كتاب الله.

فبالبخاري حديث يقول: [ من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق،…] إلى آخر الرواية. يعني تم إصدار شيك على بياض، اعملوا ما تشاءون من موبقات وتجاوزات، طالما أنكم...

مولد النبي ﷺ... من ذكرى تُروى إلى سيرة تُحتذى.

ما أحوجنا، ونحن نستقبل ذكرى مولد سيد الخلق وحبيب الحق محمد ﷺ، أن نخرج بالمولد من ضيق المناسبة إلى سعة الرسالة ، ومن ضجيج الإحتفال إلى هدوء المراجعة، ومن ترداد المحبة على الشفاه...