الجمعة، 5 يونيو 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذُّل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} سورة الإسراء.
إن التوصيةً ببرَّ الوالدين في الكتاب والسنة عظيمةٌ جدًا، ولئن كان بعضهم اتخذ يومًا سمَّاه عيد الأم فنحن المؤمنون مأمورون ببر الوالدين في حياتهما وبعد موتهما وقد سبق الكلام في مقالاتٍ سابقةٍ عن بر الوالدين المؤمنين في حياتهما وبعد موتهما فلينظرها من شاء. ولكننا نذكر في مقالنا هذا شيئًا زائدًا على ما سبق فنقول:
أمرَّ الله تعالى أن لا يُعبد غيره وأمر بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حالهما عند الشيخوخة ولم يُرخِّص في أدنى كلمةٍ تؤذيهما ولو لفظ أُفٍّ، وكلمة أُفٍ صوتٌ يدل على التضجر، وبهذا النهي يُفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما فإذا نهى الله عن قول أُفٍ لهما فما كان فوق ذلك من الأذى هو منهيٌ عنه بالأولى. ونهى تعالى عن نهرهما أي زجرهما عمَّا يتعاطيانه مما لا يعجبك ما لم يكن حرامًا، وأمر بتحسين القول لهما كما يقتضيه حسن الأدب. وإذا صار الوالدان ثِقْلًا على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وتحت رعايته وذلك أشقُّ عليه فهو مأمورٌ بأن يستعمل معهما لينَ الخُلق وأن يتواضع لهما من فَرط رحمته إيَّاهما لكِبَرهما وافتقارهما إليه.
وقد أمر ربنا زيادة على هذا كله أن يسأل الولدُ ربَّه الرحمةَ لوالديه المؤمنين وأن يجعل ذلك جزاءً لرحمتهما به في صغره، فقال تعالى {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} وهذا الاستغفار حسنٌ سواءٌ كان في حياتهما أم بعد موتهما لأنهما ينتفعان به لأن النص لم يُقيِّد الأمر بالاستغفار لهما حال حياتهما ولا بعد موتهما. هذا بعض ما جاء في كتاب الله تعالى في التوصية بالوالدين وإليك بعض ما جاء في الحديث:
عن أبي الدرداءِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخلُ الجنة عاقٌ” رواه أحمد. ومعناه: لا يدخل الجنة مع الأولين إن لم يتب لأنه مستحقٌ للعذاب، والعقوق هو ما يتأذَّى به الوالدان أو أحدهما تأذِّيًا ليس بالهيِّن في العُرف أي في عُرف أهل العلم.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي الدرداءِ قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسعٍ: وعدَّ منها فقال:”وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما” معناه: مهما أمراك بشىءٍ فأطعهما ما لم يكن حرامًا. وعن عبد الله بن عمروٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الله في رضا الوالدين وسَخَط الله في سَخَط الوالدين” رواه البيهقي. ويُفهم من الحديث أن برَّ الوالدين بركةٌ في الدنيا والآخرة وأما العاقُّ فإنه آثمٌ عاصٍ يستحق عقوبة الله إن لم يتب من العقوق مع العلم أن كثيرًا من العاقِّين ساءت أحوالهم في الدنيا قبل الآخرة وهذا مصداق ما رواه البخاري في “الأدب المفرد” عن بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّ ذُنُوبٍ يؤخرُ الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا البغي وعقوق الوالدين أو قطيعة الرحم يُعجَّلُ لصاحبها في الدنيا قبل الآخرة”. والبغي الظلم، والمعنى أن الله تعالى يؤخر الجزاء على ما شاء من الذنوب إلى يوم القيامة إلا ما استُثني فإنه كثيرًا ما يُعجَّل لصاحبه العقاب في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة ما لم يتب، وكم من بلاءٍ شديدٍ يُصيب البعض بسبب العقوق ولا ينتبهون؟
وقد قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم برَّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله في بعض الأحوال وقولنا: في بعض الأحوال أي ليس مطلقًا فالجهاد أحيانًا أفضل من برِّهما، وبِرُّهما يُقدَّم على الجهاد أحيانًا وفي المسألة تفصيلٌ لسنا بصدده، فعن عبد الله بن عمر أن رجلًا جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد”. رواه البخاري. ومعناه: إن كان لك أبوان فابْلُغ جَهْدَك في بِرهما والإحسان إليهما” وعن ابن عبَّاسٍ قال: ما من مسلمٍ له والدان يُصبحُ إليهما محسنًا إلا فتح الله له بابين يعني من الجنة وإن كان واحدًا فواحدًا وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه قيل وإن ظلماه قال وإن ظلماه ” فلا يجوز للولد عقوق والديه المؤمنين وإن ظلمه أبواه وإن كان لا يجوز للوالدين ظلم ولدهما لكن لو فعلاه ليس له أن يعقَّهما مع ذلك فتأمَّل هذه التوصية البالغة واصدع بذلك في وجه كل حاقدٍ على الإسلام العظيم.
واعلم مع ذلك أن برَّ الأم أعظم ثوابًا من برِّ الأب كما أن عقوق الأم أشدُّ إثمًا من عقوق الأب فعن المغيرة بن شُعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات” متفقٌ عليه. وخصَّ الأمهات لبيان أن عقوقهما أشدُّ وإن كان عقوق الآباء أيضًا حرام. وعن أم المؤمنين عائشة قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظمُ حقًا على المرأة قال: زوجها قلت فأي الناس أعظمُ حقًا على الرجل قال أمه. رواه النسائي.
وعن عطاء بن يسارٍ عن ابن عبَّاسٍ أنه أتاه رجلٌ فقال: إني خطبتُ امرأةً فأبت أن تَنكِحني وخطبها غيري فأحَبَّت أن تَنكِحهُ فغرتُ عليها فقتلتها فهل لي من توبةٍ قال أمك حيَّةٌ قال لا قال تب إلى الله عزَّ وجلَّ وتقرَّب إليه ما استطعتَ فذهبَ فسألت ابن عبَّاسٍ لم سألته عن حياة أمه فقال: إني لا أعلم عملًا أقرَبَ إلى الله عزَّ وجلَّ من بر الوالدة” رواه البخاري في “الأدب المفرد” والمعنى أن برَّ الأم من أعظم ما يُقرِّب إلى الله أي ثوابه عظيمٌ جدًا لا أنه أفضل الأعمال مطلقًا بل أفضل الأعمال الإيمان كما هو معلومٌ ولذلك لو أمر الوالدان الولد بأمرين مختلفين يجمع بين طاعتهما ما أمكن فإن تعذَّر يُقدِّم طاعة الأم والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...