انقسم الناس في عهد الإمام علي عليه السلام ما بين أريحي وأنفعي، وليس انقسامهما انقساماً دينياً مطلقاً. لو عاد الإمام علي ومعاوية بما يرمز إليه الإمام علي من كونه سليل بيت النبوة، ومعلَم شامخ في العلم والعدل والصدق والشهامة، وبما يرمز اليه معاوية من مكر وخبث وجشع وأنانية، لانحاز الناس – سنتهم وشيعتهم – الى فريقين متعارضين : أصحاب المنفعة والمصلحة والمداراة والتعلق بكل مغريات الترف دون تقييد لحلّها وحرمتها، وأهم صفاتهم الممالئة للحاكم القوي بقناعة وعناد وإجرام ..وهم أتباع منهج معاوية، يقابلهم أصحاب المروءة والنخوة والشهامة، والبعد عن مغريات الدنيا، وأهمّ صفاتهم الخشية من الله تعالى والبعد عن محرماته…. وهم أتباع منهج الإمام علي.
ولعلي أضيف فريقاً ثالثاً وصفهم الفرزدق في لقاءه مع الإمام الحسين عليه السلام حين قال له : “قلوب الناس معك وسيوفهم عليك”، وهذا الفريق هم من الذين يخشون بطش الحاكم ويرجون السلامة والعيش بأمان ووئام وسلام ولو كان مخالفاً لقيم الدين والأخلاق ومجانباً لإحقاق الحق وإقامة العدل.
محبة الإمام علي والسير على منهجه ومنهج الإمام الحسين عليهما السلام، لا ينتجان طقوساً في ايذاء النفس واللطم والصراخ والعويل، وهي طقوس كلها مستوردة واستخدمت لتكون حاقدة ومؤججة ومجددة للفتن، وإن كانت ثائرة ضد جيف عفنة سحقت تحت باطن الأرض وهي في قعر جهنم لما اقترفوه من خروج على الشرعية والإمعان في قتل أهل بيت النبوة، وإنما ينتجان اتباعاً لمنهجهما ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام. و هو المنهج في وحدته وأصوليته يقوم على جمع الكلمة وعدم التعصب ونبذ الروايات الكاذبة، وتجنب الخلافات والإحتكام الى الله في مجريات الأحداث وعدم نبشها لإثارة الفتن والفرقة.
…. لو عاد الإمام علي والإمام الحسين عليهما السلام، وعاد معاوية ويزيد لما تبدلت صفات الناس في تأييدهم ومعارضتهم، فطريق الحق والخير واحد، والذين يتبعوه هم أقلية في مقياس العصور والأزمنة الغابرة، وطرق الشر متعددة ملتبسة متنوعة متبدلة خادعة متطورة، والذين يتبعهم هم الأكثرية الغالبة من الناس في كل مراحل التاريخ.
اتباع المنهجين اللذين سار بهما وإليهما الإمامين العادلين، والحاكمين الظالمين، لا يدخلان في منطق الإنتماء الديني والطائفي الحصري، وإنما أحدهما في مدخل المصالح والمنافع، والآخر في منطق الأريحية والعقلانية والشرعية التي ترسي قيم الأخلاق وقواعد العدل.
لا تجعلوا عاشوراء مناسبة للفتن وتأجيج الصراعات، فكم منكم ومنا لو عاد الحسين لارتدّينا على أعقابنا وناصرنا أصحاب السلطة والقهر والغلبة، أو لجعلنا محبة الحسين في قلوبنا وشهرنا سيوفنا عليه.


