الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

شهادة للتاريخ بحق الراحل غسان كنفاني ...هكذا عرفته

في صباح يوم الثامن من شهر تموز عام 1972، انفجرت قنبلة بسيارة الكاتب المبدع والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني، مما أدى إلى وفاته على الفور عن عمر ستة وثلاثين عاما ًوهو في أوج عطائه لقضيته الفلسطينية. عرفته عن قرب مخلصاً لشعبه ولقضيته ولأصدقائه ومعارفه والمقربين منه بشكل عام، لأن الوفاء كان صفة مميزة فيه، يتحدث عنها كل من عرفه. تعرفت على الراحل كنفاني في منتصف سنوات الستينات. في كل مرة كنت ألتقي الراحل فيها، كانت بمثابة محاضرة في السياسة والإعلام. فقد تعلمت منه كيفية زرع الإخلاص للوطن في عقول القراء، وتعلمت منه كيفية حفظ تاريخنا عن ظهر قلب، وتعلمت منه أيضاً أن الفلسطيني الذي لا يعمل من أجل فلسطينيته هو ناقص الفلسطينية. وقد قال لي ذات يوم وأنا في مكتبه، ولا يمكن أن أنسى ذلك: ” خلي فلسطين دائما في عقلك وقلبك

كان مكتب الراحل غسان كنفاني يقع في بناية على كورنيش المزرعة في بيروت، حيث كانت مكاتب مجلة “الهدف” التي كان الراحل رئيس التحرير فيها. كان مكتبه في غاية التواضع وأقل من عادي قياساً بالمكاتب الفخمة لرؤساء تحرير الصحف اللبنانية، لأنه لم يهتم بالمظهر إنما بالجوهر. كانت جدران مكتبه تزينها ملصقات ورسومات سياسية رسمها بنفسه وخريطة لفلسطين.

كان كل حرف خطه الراحل يزعج “إسرائيل”، التي أدرك قادتها أن كتابات الراحل تستطيع أن تصنع جيلاً ثورياً قادراً على التغيير، فأرادت التخلص منه. وفي عام 2005، أي بعد مرور 33 عاما على تنفيذ الجريمة، اعترفت إسرائيل بمسؤوليتها عن العملية ، وقالت أن عناصر من جهاز الموساد زرعوا عبوة ناسفة في سيارة كنفاني. وقد جاء على لسان الجنرال أهارون ياريف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي،”آمان” في مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية في العام 1993، أنه كان يتلقى أوامره مباشرة في أوائل السبعينات، من رئيسة الوزراء آنذاك “غولدا مائير”، بملاحقة واغتيال شخصيات فلسطينية منتقاة أينما وُجدوا، وبالطرق التي يراها “الموساد” مناسبة.

كان الراحل غسان كنفاني أول من كتب عن شعراء الداخل الفلسطيني، وأطلق عليهم لقب “شعراء المقاومة”، وكان كثير الكتابة عنهم لتعريف فلسطينيي الشتات بهم، وهو الذي سمى شعرهم “شعر المقاومة”. لقد جمع الراحل غسان بين النضال والصحافة والكتابة والفن، فكان إعلامياً وروائياً وكاتب قصة وناقداً ومسرحياً ورساماً وسياسياً. لاحظت ذات مرة عندما كنت في مكتبه، انه يحمل مسدسا صغيراً، فسألته عما إذا كان هذا المسدس يحميه من الأعداء. فأجابني مع ابتسامة المناضل المؤمن بقضيته وبوطنه: “الله وحده الحامي يا أحمد، وأنا عندي إحساس بأن موتي لن يكون طبيعياً“.

الراحل غسان كنفاني عاش واستشهد من أجل فلسطين. رحل جسدا وبقي فكرا.

رحم الله غسان كنفاني معلمي وأستاذي في السياسة والاعلام.

 

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...