تعتبر الحداثة الحقيقية في العالم العربي نتاج للحركات التحررية وانعكاس لعصر الحداثة الأوروبية ، بعد أن صاغ مقولاتها مثقفون عرب آمنوا بأن أمتهم قادرة على اللحاق بركب الحضارة العالمية من موقع فاعل ، والاقتباس الذي تمسك فيه بعضهم وليس التلاقح والإبداع ، أفقد الثقافة العربية قدرة على الولوج في دائرة المعاصرة الكونية ، وهذا ما عبر عنه هشام شرابي بقوله : ” إن علاقتنا بالغرب وخاصة بأميركا ما زالت علاقة تضاد واختلاف ” .
والغرب اليوم وأكثر من أي وقت مضى ما زال يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا فنحن نريد الحداثة وهو يريد لنا التحديث ، نحن نريد السيادة والاستقلال وهو يجبرنا على التبعية ، نحن نصبوا الى التحرر والوحدة وهو يدعم الأنظمة البدوية التي تقف في وجه التحرر والديموقراطية وتمنع الوحدة .
ولعل أبرز أصحاب المشاريع الثقافية المتميزة في هذا المجال : ” ساطع الحصري وعبد الله العلايلي وقسطنطين زريق وحسين مروة وعبد الله العروي ومحمد أركون وهشام جعيط وبرهان غليون وغيرهم … إذ لعبت كتاباتهم دور الريادة الحقيقية في إغناء الفكر العربي بمضامين إنسانية ، ودعا هؤلاء المفكرون الى تحرير الأراضي العربية من الاحتلال الأجنبي ومعه تحرير الإرادة العربية من التبعية والاستلاب ، لكن البشرية في عصر العولمة القائمة على التوحيد المستمر لأنماط الإنتاج والتبادل والاستهلاك ، وعلى نشر أنموذج واحد أو على الأقل نماذج متشابهة لثقافة عالمية تعمل على صهر الخصوصيات لا تجد نفسها في مسار تحقيق السلام .
مما تقدم نجد أنه مما لا شك فيه أن دخولنا الى الحداثة ، أو على الأصح دخول المسار التحديثي كان علينا سلوكه من باب التنوير : فحركة المثاقفة لم تنبعث من داخل واقعنا العربي أو القطري ، بل كانت التبرير الذي استعملته حركة نابليون في غزوها مصر العام 1798 بحجة تحديث مصر ، والمسار التحديثي في عصر التنوير الذي اخترقنا ، والذي اخترق أوروبا قبلنا : ناتج عن التلاقح بين التراث الثقافي العربي مع الأوروبي فمثلاً من قام ببناء كنيسة نوتردام في باريس لم يكونوا يستطيعون ضرب عدد صغير في عدد صغير آخر والوصول الى جواب صحيح .
ولم يكونوا يعرفون عملية القسمة بتاتاً ، والنظام العشري لم تعرفه أوروبا إلا بعد الألف الأول من الميلاد عندما قام النورمانديون في عام 1091 م بالاستيلاء على صقلية التي كان يسكنها العرب والمسلمون ، ولحسن الحظ عرف الفاتحون الجدد قيمة الغنائم التي حصلوا عليها من المهزومين العرب ، وكان من ضمنها مخطوطات حول النظام العشري للأرقام الذي سرعان ما أدرك الغرب قيمته واعتمده أساساً لعلم الرياضيات .
فنتج عن ذلك فتح آفاق جديدة في مجالات الفكر والعلم والفلك وعلم الديناميكا الهوائية ، وهكذا انتقل الغرب من حالة الجهل المطلق الى حالة الاعتماد الكلي على الأرقام ، ولولا الأرقام التي قدمتها الحضارة العربية الإسلامية للعالم ما اخترعت الآلة الحاسبة ولا الحاسوب ، ومساهمة العرب المسلمون في خلق الأرقام والإضافة اليها تعني شيئاً واحداً : هو أن الإنسان إذ ذاك كان قادراً على الاستيعاب والبحث والتطوير ، بما فرض عليه زمانه وعصره ، وليس أمام الإنسان العربي اليوم عذر مهما تعددت المسميات والعوائق إلا أن يتابع البحث والتطوير من المكان الذي انتهى اليه الآخرون في العلم والتقنية .
من هنا نستنتج أن بدايات الحضارة الحديثة أو ما يسمى النهضة الأوروبية ( عصر التنوير ) إنما كان يعتمد على جانبين : الجانب الأول : الأخذ من الحضارة العربية المتفوقة آنذاك في ميادين الطب والكيمياء والفلك والبناء والموسيقى والشعر واستعمالها للمبدأ التجريبي ومبدأ الشك .
والجانب الثاني : العودة الى المنابع الأولى لمكونات الحضارة الأوروبية ، أعني التراث اليوناني اللاتيني ، وهذا التراث نجده في حياتنا الحاضرة في الحضارة الأوروبية واضحاً وضوح الشمس … فليس هناك طالباً في المدارس الأوروبية إلا ويقرأ تراث الإغريق في الفلسفة والأسطورة (الميثولوجيا ) والشعر ، فالشعراء هم أكثر الناس سعياً وراء التجديد من التراث .. فالشاعر الفرنسي بودلير مثلاً عندما ارتمى في أحضان حبيبته الزنجية جان دوفال ، قارب الشاعر العربي الجاهلي طرفة ابن العبد في ربطه بين اللذة وفكرة الجسد ، وأراغون آخى شعراء الجاهلية في ربطهم بين الموت والحب أليس هو القائل : أوصدي الباب جيداً أريد أن أبوح لك بسر : ” الحب أقسى من الموت ” .
وتجربة الموت قاربت بين ثعلبة بن عمر وزهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد وامرئ القيس الى مستوى التجربة الكونية ، والتراث العربي غني متشعب الجوانب متعدد الينابيع والحضارة المعاصرة باتت غنية أيضاً والشعر أحد جوانب التراث العربي ، ولا شك في أن هذا التراث غني بمؤلفاته الأدبية وفلسفته العقلانية والدينية وسيره الشعبية وعلومه المختلفة ، وهو حافظ لوجدان الأمة العربية بما قدمت من منجزات فكرية وإبداعية وعلمية بعيدة عن الدين فشعر الخمريات والعمارة الأندلسية والأفكار الفلسفية وكثيراً من أفكار المتكلمين ليس لها صلة بالدين ولكننا لا ننكر أن من قاموا بها هم مسلمون عاشوا الحضارة العربية الإسلامية وتمثلوها وأبدعوا فيها .


