الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين بلاد الشام وواشنطن: لبنان في مهبّ الإنتظار

كارولين ياغي

قال السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، إن لبنان يواجه “تهديداً وجودياً”، وإذا لم يتحرّك لنزع سلاح حزب الله، فقد “يعود إلى بلاد الشام”. تصريح أثار موجة من القلق والأسئلة، قبل أن يسارع صاحبه إلى التوضيح بأنه لم يكن يهدّد، بل “يشيد بالخطوات التي قطعتها سوريا”، كما قال.
لكن الواقع أن الانطباع الأوّل نادراً ما يُمحى، والتصريح، مهما تمّ ترميمه لاحقاً، لا يزال يُقرأ كرسالة مبطّنة، وربما كتنبيه صريح يُراد له أن يُسمع لا أن يُفهم فقط.
ولأن السياسة الأميركية لا تتحدّث صدفة، ولا تعبّر عن نفسها بلا حسابات دقيقة، فإن هذا الكلام، على ما فيه من التباس، لا يمكن فصله عن مناخات المنطقة. الأميركيون مرتبكون، متوتّرون، يتأرجحون بين ملفات سوريا، لبنان، العراق، وإيران. وفي هذا السياق، يبدو لبنان بالنسبة إلى واشنطن مجرّد بند في ملفّ أكبر يبدأ من طهران ولا ينتهي في غزّة.
وحين لا يأتي الجواب من بيروت بشأن سلاح حزب الله، تفتح أمام لبنان أبواب التأويل، وتلوّح بما هو أبعد من السياسة: الهوية، الكيان، وربما الحدود.
لكن، لنطرح السؤال بوضوح: إذا كانت “بلاد الشام” لم تعد موجودة، فمتى أصبحت إسرائيل “موجودة”؟ هذا النوع من المقاربات، حين يصدر عن مسؤول أميركي، لا يكشف فقط عن جهلٍ في فهم تركيبة هذه المنطقة، بل يعكس رغبة دفينة في إعادة خلط الأوراق.
وليس جديداً على باراك أن يلمّح إلى سقوط “سايكس بيكو” كمرحلة منتهية. فهل تلوّح واشنطن من خلاله بإعادة رسم خرائط المشرق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيّ خريطة تنتظر لبنان، الغارق في الفراغ والمراوحة؟
الفضيحة الأشدّ خطورة ليست في كلام باراك، بل في ضعف الردود اللبنانيّة عليه. فهذا المسؤول الأميركي ليس مجرّد سفير، بل هو رأس الحربة الدبلوماسية المعنية مباشرة بالمشرق العربي، وخصوصاً بلبنان وعلاقاته بكلٍّ من الحكم السوري الجديد وكيان الاحتلال.
والصمت الرسمي حيال تصريح بهذا الحجم، يعني شيئاً واحداً: أن لبنان يعيش لحظة “الأيتام على مائدة اللئام”. لا صوت ولا قرار، لا رؤية ولا دفاع عن الكيان، بل مجرد تلقٍّ سلبيّ لرسائل الخارج، ولو كانت تنذر بزوال الحدود أو سقوط الدولة.
من هنا، قد يكون من الواجب أن يبادر رئيس الجمهورية، العماد جوزف عون، إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني جامع يناقش ملفّ السلاح بصراحة، كما يواجه الإشاعات المتداولة عن نيات سورية بضمّ طرابلس، وهي إشاعات يجري التلويح بها بوقاحة. هذه ليست قضية وظيفة سياسية، بل مسألة بقاء وطن.
أما مجلس النواب، فعليه أن يستفيق من صمته. لا يكفي أن يتابع النواب التصريحات عبر الإعلام كأنهم مواطنون عاديون. كيف يُناقش الموقف اللبناني من كلام خطير كهذا من دون تشاور مع الحكومة؟ وكيف تبقى الحكومة نفسها عاجزة حتى عن إصدار بيان؟
الحقيقة الوحيدة أنّ لبنان يعيش ركوداً شبه كاملاً، اقتصادياً، سياسياً، ودبلوماسياً. وإذا لم تُحلّ عقدة إيران، أو بالأحرى إذا لم تُفكّك ألغام المنطقة، فإن لبنان سيبقى واقفاً على الحافة: لا يتحرك، لا يسقط، لكنه ينزف ببطء.
صحيح أن هناك مؤشرات خجولة إلى إمكان التوصل إلى اتفاق في غزّة. وإذا حصل ذلك، فمن الصعب على لبنان أن يبقى خارج المشهد. كلّ تسوية في الإقليم سيكون لها ارتداد على الداخل اللبناني، سواء شاء المسؤولون أو لا.
لكن، لا تسوية تصمد من دون موقف لبناني واضح، موحّد، وفاعل. والغموض في القرار لا يردّ الضغوط، بل يستدرجها.
والصمت في مثل هذه اللحظة، ليس حكمة، بل على الأقل، انتحاراً بطيئاً على عتبة خريطة جديدة لا مكان لنا فيها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...