الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"مشروع الشام الجديد" .. تحالف الضرورة أم هندسة لمحور عربي جديد؟

في عالم يعاد تشكيل خرائطه السياسية الأقتصادية بإيقاع متسارع، ظهر مشروع “الشام الجديد” كأحد أبرز المبادرات العربية الطموحة، التي تحاول كسر الجمود الإقليمي وتشكيل تحالفات قائمة على المصالح لا الشعارات. التحالف الثلاثي بين العراق، الأردن، ومصر، لم يولد من فراغ، بل جاء كاستجابة واقعية لتحولات عميقة، وحاجة متبادلة لملء الفراغ الذي خلفته أنهيارات النظام الإقليمي العربي ،بعد العام 2011، وتضاؤل الدور العربي في معادلات الشرق الأوسط.

مشروع المصالح.. لا الأيديولوجيات _

ما يميز مشروع “الشام الجديد” عن غيره من المشاريع العربية السابقة، أنه لا يقوم على أيديولوجيا موحدة، ولا يتكئ على الشعارات القومية، بل ينطلق من مبدأ “تبادل المنافع”، و”تحالف الضرورة”، وهو ما يجعل فرص نجاحه أعلى من المبادرات السابقة التي أنهارت أمام أول أختبار سياسي أو أمني.

فالعراق، الخارج من أتون الحروب والإرعاب، يمتلك موارد نفطية ضخمة ،لكنه يفتقر للبنية التحتية والأستقرار الإداري، فيما تمتلك مصر فائضًا كبيرًا في الطاقة الكهربائية وخبرة واسعة في الإعمار، ويملك الأردن موقعًا جغرافيًا إستراتيجيا على تقاطع خطوط التجارة والطاقة. و هذا التداخل في الحاجات والإمكانات خلق قاعدة واقعية لهذا التحالف.

توازنات دقيقة.. وواقعية مدهشة _

جاء مشروع “الشام الجديد” أيضًا في توقيت حساس، إذ يتقاطع مع أنكماش الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وصعود أدوار جديدة لكل من تركيا وإيران و”إسرائيل “وتحول دول الخليج العربي نحو أولويات إقتصادية بحتة. في هذه البيئة، بدا أن فراغًا جيوسياسيًا يتشكل في “المشرق العربي”، وكان لا بد من جهة ما ان تملأه ،قبل أن تملأه قوى غير عربية.

هنا يبرز ذكاء المشروع في تشكيله: العراق بلد محوري يوازن بين إيران والعرب، والأردن حلقة وصل سياسية وأقتصادية، ومصر بثقلها السكاني والعسكري تمثل جناحًا عربيًا قويًا في المعادلة. لا يمكن إغفال أن المشروع جاء أيضًا كرد على مشاريع الأقليمية التوسعية، سواء كانت التركية (النفوذ في شمال العراق وسورية ) وغيرها ، أو حتى “الإسرائيلية” (الأندماج في الإقليم عبر “أتفاقيات إبراهيم”).

غياب سورية ولبنان.. ضرورة أم خلل؟ _

على الرغم من أن الأسم يحمل رمزية “الشام”، فإن غياب سورية ولبنان عن المشروع يطرح تساؤلات. هل هو غياب تكتيكي بسبب الواقع السياسي الراهن؟ أم أنه إقصاء دائم لبلدين يشكلان القلب التاريخي والجغرافي للشام؟ الواقع أن إدخال دمشق وبيروت في المرحلة الحالية كان سيثقل المشروع سياسيًا، خصوصاً مع العقوبات الدولية والتجاذبات الإقليمية، لكن ترك الباب مفتوحًا للأنضمام لاحقًا قد يكون خطوة ذكية تعزز شمولية المشروع واستدامته.

الأمن أولاً.. قبل الأقتصاد _

و على الرغم من أن مشروع “الشام الجديد “قد يقدَّم باعتباره مشروعًا أقتصاديًا، إلا أن القراءة السياسية العميقة تكشف أنه يحمل طابعًا أمنيًا صريحًا. فالتعاون في مجالات مكافحة الإرعاب، المخدرات، الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، وتنسيق الأجهزة الأستخبارية، يكشف عن إدراك عميق أن لا أستقرار إقتصادياً من دون أستقرار أمني، وأن المعارك لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الإلكتروني والمعلوماتي.

معارضة محتملة.. داخلية وخارجية _

و لا يُخفى أن المشروع يواجه تحفظات إيرانية، وربما حذرًا تركيًا، وحتى برودًا من بعض الدول العربية ،التي ترى فيه مشروعًا لا يشملها أو ينافس نفوذها. داخليًا، قد يواجه المشروع تحديات تتعلق بعدم الإستقرار السياسي في العراق، والأزمة الإقتصادية في مصر، والحساسيات الجيوسياسية في الأردن.
لكن تبقى المعضلة الكبرى في أستدامة الإرادة السياسية، و أن القمم والأجتماعات وحدها لا تصنع التحالفات، بل يحتاج مشروع “الشام الجديد” إلى أدوات تنفيذ، إرادة أستثمارية، وتحصين سياسي ضد التغيرات الحكومية التي قد تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

 

و هل يكون “الشام الجديد” بداية شرق أوسط مختلف؟

مشروع “الشام الجديد” ليس مجرد مشروع إقتصادي ، بل محاولة لإعادة بناء هندسة عربية إقليمية جديدة، تستند إلى المصالح لا الأوهام، وإلى الواقع لا العاطفة. نجاحه لا يعني فقط تحقيق تنمية للدول الثلاث، بل قد يشكل نواة لتحالف عربي عقلاني واقعي، يعيد للعرب موقعًا مفقودًا في لعبة الأمم.

الفرصة موجودة، لكنها لا تنتظر طويلاً.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...