في عالم يعاد تشكيل خرائطه السياسية الأقتصادية بإيقاع متسارع، ظهر مشروع “الشام الجديد” كأحد أبرز المبادرات العربية الطموحة، التي تحاول كسر الجمود الإقليمي وتشكيل تحالفات قائمة على المصالح لا الشعارات. التحالف الثلاثي بين العراق، الأردن، ومصر، لم يولد من فراغ، بل جاء كاستجابة واقعية لتحولات عميقة، وحاجة متبادلة لملء الفراغ الذي خلفته أنهيارات النظام الإقليمي العربي ،بعد العام 2011، وتضاؤل الدور العربي في معادلات الشرق الأوسط.
مشروع المصالح.. لا الأيديولوجيات _
ما يميز مشروع “الشام الجديد” عن غيره من المشاريع العربية السابقة، أنه لا يقوم على أيديولوجيا موحدة، ولا يتكئ على الشعارات القومية، بل ينطلق من مبدأ “تبادل المنافع”، و”تحالف الضرورة”، وهو ما يجعل فرص نجاحه أعلى من المبادرات السابقة التي أنهارت أمام أول أختبار سياسي أو أمني.
فالعراق، الخارج من أتون الحروب والإرعاب، يمتلك موارد نفطية ضخمة ،لكنه يفتقر للبنية التحتية والأستقرار الإداري، فيما تمتلك مصر فائضًا كبيرًا في الطاقة الكهربائية وخبرة واسعة في الإعمار، ويملك الأردن موقعًا جغرافيًا إستراتيجيا على تقاطع خطوط التجارة والطاقة. و هذا التداخل في الحاجات والإمكانات خلق قاعدة واقعية لهذا التحالف.
توازنات دقيقة.. وواقعية مدهشة _
جاء مشروع “الشام الجديد” أيضًا في توقيت حساس، إذ يتقاطع مع أنكماش الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وصعود أدوار جديدة لكل من تركيا وإيران و”إسرائيل “وتحول دول الخليج العربي نحو أولويات إقتصادية بحتة. في هذه البيئة، بدا أن فراغًا جيوسياسيًا يتشكل في “المشرق العربي”، وكان لا بد من جهة ما ان تملأه ،قبل أن تملأه قوى غير عربية.
هنا يبرز ذكاء المشروع في تشكيله: العراق بلد محوري يوازن بين إيران والعرب، والأردن حلقة وصل سياسية وأقتصادية، ومصر بثقلها السكاني والعسكري تمثل جناحًا عربيًا قويًا في المعادلة. لا يمكن إغفال أن المشروع جاء أيضًا كرد على مشاريع الأقليمية التوسعية، سواء كانت التركية (النفوذ في شمال العراق وسورية ) وغيرها ، أو حتى “الإسرائيلية” (الأندماج في الإقليم عبر “أتفاقيات إبراهيم”).
غياب سورية ولبنان.. ضرورة أم خلل؟ _
على الرغم من أن الأسم يحمل رمزية “الشام”، فإن غياب سورية ولبنان عن المشروع يطرح تساؤلات. هل هو غياب تكتيكي بسبب الواقع السياسي الراهن؟ أم أنه إقصاء دائم لبلدين يشكلان القلب التاريخي والجغرافي للشام؟ الواقع أن إدخال دمشق وبيروت في المرحلة الحالية كان سيثقل المشروع سياسيًا، خصوصاً مع العقوبات الدولية والتجاذبات الإقليمية، لكن ترك الباب مفتوحًا للأنضمام لاحقًا قد يكون خطوة ذكية تعزز شمولية المشروع واستدامته.
الأمن أولاً.. قبل الأقتصاد _
و على الرغم من أن مشروع “الشام الجديد “قد يقدَّم باعتباره مشروعًا أقتصاديًا، إلا أن القراءة السياسية العميقة تكشف أنه يحمل طابعًا أمنيًا صريحًا. فالتعاون في مجالات مكافحة الإرعاب، المخدرات، الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، وتنسيق الأجهزة الأستخبارية، يكشف عن إدراك عميق أن لا أستقرار إقتصادياً من دون أستقرار أمني، وأن المعارك لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الإلكتروني والمعلوماتي.
معارضة محتملة.. داخلية وخارجية _
و لا يُخفى أن المشروع يواجه تحفظات إيرانية، وربما حذرًا تركيًا، وحتى برودًا من بعض الدول العربية ،التي ترى فيه مشروعًا لا يشملها أو ينافس نفوذها. داخليًا، قد يواجه المشروع تحديات تتعلق بعدم الإستقرار السياسي في العراق، والأزمة الإقتصادية في مصر، والحساسيات الجيوسياسية في الأردن.
لكن تبقى المعضلة الكبرى في أستدامة الإرادة السياسية، و أن القمم والأجتماعات وحدها لا تصنع التحالفات، بل يحتاج مشروع “الشام الجديد” إلى أدوات تنفيذ، إرادة أستثمارية، وتحصين سياسي ضد التغيرات الحكومية التي قد تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.
و هل يكون “الشام الجديد” بداية شرق أوسط مختلف؟
مشروع “الشام الجديد” ليس مجرد مشروع إقتصادي ، بل محاولة لإعادة بناء هندسة عربية إقليمية جديدة، تستند إلى المصالح لا الأوهام، وإلى الواقع لا العاطفة. نجاحه لا يعني فقط تحقيق تنمية للدول الثلاث، بل قد يشكل نواة لتحالف عربي عقلاني واقعي، يعيد للعرب موقعًا مفقودًا في لعبة الأمم.
الفرصة موجودة، لكنها لا تنتظر طويلاً.


