السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في زمن التشكيك….خطاب يعيد المعنى للوطن

كارولين ياغي

في زمنٍ انهارت فيه المعايير، وانكفأت المؤسسات، وبات الوطن رهينة الخوف والانقسام، يعلو صوت واحد يذكّرنا بما تبقّى من كرامة الدولة: الجيش.

اليوم، عشية عيده الثمانين، لم يكن خطاب الرئيس جوزف عون مجرد تحية للمؤسسة العسكرية. كان إعلان نية، بيان مشروع، وقَسَم متجدّد. لم يخاطب اللبنانيين بعبارات إنشائية، بل بخطابٍ تاريخي حافل بالدلالات، يُفترض أن يكون موضع قراءة معمّقة لا موضع تشكيك. فالرجل لم يأتِ إلى الحكم من كواليس الأحزاب ولا من أروقة الصفقات. جاء من تراب الميدان، ومن مدرسة الانضباط والتضحية، تلك التي لا تُخرّج زعماء بل قادة.

في لحظة انهيار سياسي واقتصادي وأخلاقي، شدّد الرئيس عون على “حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية دون سواها”، في موقف هو الأول من نوعه بهذا الوضوح من موقع رئاسة الجمهورية. موقفٌ يدعو لإعادة الاعتبار للشرعية، ولرأب الفجوة بين الدولة والشعب، بعدما كادت البنادق غير النظامية تلتهم ما تبقّى من السيادة.

هو يعرف تماماً أن لا استقرار من دون أمن، ولا أمن من دون جيش، ولا جيش إن بقي وحده في الميدان من دون غطاء سياسي ودعم شعبي. من هنا، يجب أن يُمنح الرئيس الوقت اللازم للعمل. ليس من باب التبرير، بل من باب العقل. ففي دولة من دون مؤسسات حقيقية، لا يكون الحل بتصفية ما تبقى، بل بالرهان على من لا يزال واقفاً. ومن غير المنصف أو المسؤول انتقاده من لحظته الأولى، وهو الذي قال بصدق: “للجيش فضلٌ كبيرٌ عليّ ودَينٌ أكبر… ربّاني على حب الوطن، من دون اجتزاء، وعلى حب الشعب من دون شعبوية، وعلى حب الله من دون طائفية”.

من وزارة الدفاع، خاطب الجنود ودموع الوطن في عينيه. استعاد البطل محمد فرحات، ابن الجنوب الذي احتضنته كنائس الشمال، في مشهد لبناني جامعٍ لا يحتاج لمؤتمرات حوار ولا لوثائق تفاهم. دم فرحات وحده كان كافياً لكتابة دستور آخر، غير الدستور الورقي الذي تُنتهك بنوده كل يوم. قالها الرئيس بوضوح: “شعبٌ يستحق الحياة، لا يترك من قدّموا دماءهم لأجله يسقطون مرتين… مرةً في الدفاع عنه، ومرةً بالنسيان أو المساومات”.

هذا الخطاب ليس مجرد كلمات. هو خارطة طريق تُعبّر عن نية سياسية مختلفة. فالرئيس الآتي من صفوف الجيش يُدرك أن التحديات كثيرة، وأن إسرائيل ما زالت تحتل، وتقصف، وتمنع الإعمار، وتخرق السيادة، وأن الفساد الداخلي لا يقلّ خطراً. لكنه يملك أيضاً الوعي بأن “كل من سقط دفاعاً عن الوطن… هو ذخرٌ لنا في مسيرتنا نحو وطنٍ مستقل، مستقر، مزدهر وعصري”.

من هنا، فإن دعم هذا العهد لا يعني صكّ براءة مطلقة، بل منح فرصة لمن يستحق. فالرئيس لم يتحدث من فوق الشعب، بل بإسمه، ومعه. لم يتبرأ من الجيش بل اعتبره مرآة الشعب، واعتبر الوفاء له جزءاً من الوفاء للوطن.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لرموز تُوحّد لا تُفرّق، تُطَمْئن لا تُرهب، تبني لا تُساوم. بحاجة إلى من يقول لنا: هناك من لا يزال يؤمن أن لبنان يستحق الحياة.

الرئيس جوزف عون قالها بوضوح، وبلغة لا تحتاج إلى ترجمة: “الوفاء لأرواح من سقطوا دفاعاً عن الوطن وللقضية التي ارتقوا من أجلها، يقتضي أن نوقف الدمار… والانتحار”. فهل نُحسن الإصغاء؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...