كتب سعيد عقل مسرحية قدموس التي تخطّى فيها الإقليمية السورية الى الإقليمية اللبنانية مسجلاً نفسه على رأس الدعاة الى القومية اللبنانية ، ذلك أنه يصف رسالة لبنان : ” رسالة فذة في العالم تخولنا لبننة العالم ، فمن هنا يبرز سعيد عقل ” الشخصية اللبنانية ” ويجعلها وليدة مجموعة بؤر عقلية أربع هي صيدون والقدس وانطاكية ودمشق ” التي لا تنكفئ على ذاتها بل تحاكي العقل العالمي .
ونحا شاعر آخر نحو سعيد عقل في لفت الأنظار الى لبنان والإشادة بمجده ومآثره ، وهو الشاعر بالفرنسية ” شارل قرم ” الذي لفت أنظار الشرق والغرب الى الجبل الملهم وبخاصة أبصار اللبنانيين ، فجرت في أثره طائفة من الأقلام اللبنانية وانغمست في ذلك الماضي العجيب ، حتى نفذت من خلال التاريخ الى ما قبله ، ولملمت من فجر الكون لآلئ هنيهاته الأولى لتنشرها على حواشي الأزمنة رموز خلق وجمال وبسط حضارة .
ومن المرجح أن تكون الأسباب التي أدت بهذا النفر من الشعراء اللبنانيين الى الاتجاه الى هذه الدعوة ” ضعف إيمان عدد من اللبنانيين بالعروبة وشكوكهم في أن تكون قناعاً للجامعة الإسلامية التي لاقى لبنان من جرائها الأمرين في العهد العثماني ، لذا رأى هذا النفر أنه من صالح لبنان الاتجاه نحو الغرب ، إذ ليست الدعوة الى العروبة إلا رجعية قوامها العودة الى الصحراء حيث يقول ميشال شيحا : ” لقد حان لنا أن نقف في وجه كل وحدة سياسية تنتصر فيها الصحراء… وعلى اللبنانيين أن يعتنقوا حقيقتهم الصارخة : حقيقة البحر والجبل ” .
ويناقض هذا القول الدعوة الى إتقان اللغة العربية ، أما الذي عزز هذا القول فهو الاكتشافات الأثرية في جبيل عام 1929 التي أثبتت وجود أدب فينيقي والدعوة الى ” السورية أو اللبنانية ” التي تعود الى اكتشافات رأس شمرا وحفريات جبيل التي ترافقت مع النزعة الفرعونية التي تعود بذورها الى عهد الحملة الفرنسية على مصر ، وإلى كشف شامبليون عالم الآثار الفرنسي سر الكتابة الهيروغليفية وحل طلسمات حجر الرشيد ، واهتمت بذلك الصحف المصرية فأدرجت على صفحاتها الكثير من المقالات والقصائد فيها .
ومن الذين اهتموا بذلك محمود سامي البارودي 1838- 1904 وأحمد شوقي 1868 – 1932 وحافظ إبراهيم 1831 – 1932 وخليل مطران وعباس محمود العقاد وأحمد زكي أبو شادي حيث أصدر في العام 1934 ديوان شعر أسماه “وطن الفراعنة” وأهداه الى القومية المصرية وحماتها ، حيث كان شعار مصر للمصريين رائد شعراء النزعة الفرعونية وكتابها ، وقد عبر عن ذلك لطفي السيد .
والنزعة الثالثة كانت النزعة الآشورية التي حاولت خلق قومية لها في العراق ، وتقوم على صلة النسب مع الآشوريين والبابليين أصحاب أعرق حضارة في العالم السوري وفي بلاد الرافدين … ولم تتبدد هذه الدعوة إلا في شعر نفر قليل من العراقيين ، إذ أن هذه الدعوة كانت سياسية أكثر منها اجتماعية وأدبية ، كما أنها ظلت محصورة في صفوق الآشوريين أنفسهم ، فالعراقيون لم يشعروا بروابط تربطهم مع أجدادهم بابليين كانوا أم آشوريين ، زد على ذلك الحقبة الدينية الشيعية الإسلامية وغيرها من المذاهب الإسلامية في العراق التي كانت سداً منيعاً في وجه هذه الدعوة التي تنتمي الى ماض وثني قديم .
ونازعت هذه الدعوة أيضاً الدعوة الكردية بكل مقوماتها الحضارية والتاريخية ، والتي كانت أيضاً من صنيع الأجنبي إذ غذتها تركيا وروسيا وفارس ، وترافقت هذه الدعوات مع الدعوة الى الرمزية وأديب مظهر هو الذي عرّف الشعراء العرب بالشاعر الفرنسي الرمزي ” ألبير سامان ” وأطلعهم على شعره فقد قرأ مظهر بشغف مجموعة شعرية لهذا الشاعر الغربي وتأثر به وراح يردد منها هذا البيت : …..” إن نسمات الماء نقية طاهرة كالملائكة تمر عليها ”
فكان هذا البيت فاتحة الرمزية في لبنان ودافعاً للشاعر أديب مظهر لأن يكتب قصيدته .
وقد أثر جبران خليل جبران في مجمل شعراء العرب ، وما جاء به يوسف الخال من آراء في مجلة شعر لا تبعد عن ما قاله بعض شعراء الرومنطيقية والرمزية قبل عام 1950 أمثال سعيد عقل والياس ابي شبكة ونزار قباني وميخائيل نعيمة وربما عدّ آدونيس …جبران خليلي جبران المؤسس لرؤيا الحداثة والرائد الأول في التعبير عن الحداثة والرمزية .
لهذا فليس من المستبعد بناء على هذا وبناء على تأثير بعض الرومانسيين بالرمزية ، واطلاعهم على شعر الرمزيين أن يشوب بعض الشعر الرومانسي شيء من الغموض النسبي ، وأن يؤسس هذا الشعر في الوقت نفسه لهذا الغموض الكثيف ما جاء بعده في شعر جبران ، وقد ذهب البعض الى أن الرمزية ظهرت للمرة الأولى في الأدب العربي الحديث في كتابات جبران وأن ظهورها اختلط بالرومانسية التخيلية ، ولهذا عده بعضهم رائداً من رواد الرمزية والرومانسية معاً وفي قصيدة الكواكب يقول جبران :
هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمراً في كؤوس من نمير .
ففي هذين البيتين يستعمل جبران ما يسمى في الرمزية ” تراسل الحواس ” أي تبادل الوظائف بقيام احدهما بوظيفة الأخرى فالإنشاف يتم بوسيلة معنوية (نور) وشرب الفجر يتم في أشياء مادية (كؤوس) .


