الإثنين، 3 أغسطس 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

«سيدنا عُمر».. تُثير زوبعةً!

عندما يُحمَّل المجتمع بالطائفيّة، وبأثر يعود إلى عشرات القرون، يصعب الالتفات لزراعة وصناعة، ناهيك عن تعليم وطبابة. يصبح السلم الأهلي على خطر، وكم من الوقائع أدخلته في الخطر نفسه، والخطر كامن تثيره عبارة أو تصريح، فكيف إذا كان الضخ بالكراهيّة جارٍ على مدار الساعة، وبالتالي مَنْ المستفيد غير الخراب نفسه، والعالم مثلما نرى غيره في الأمس القريب، تنافس في العِلم، فإلى أين تريدون الوصول بهذه الثّقافة؟
قُدمت وقائع التّاريخ – المغرضات منها – ما قبل أربعة عشر قرناً، مضمنات في روايات لفقهاء الغلاة (كديور، القراءة المنسية)، ولتكرارها أصبحت حقائقَ، صُبت في الرُّؤوس صباً، وكم خطيبٍ مؤثر في العقول يقول: «هذا ورد في رواياتنا»، ثم يسترسل بما يراه، بلا حسيب، والفتنة «لا تبقي ولا تذر»، ولابن المعتز (قُتل 296 هـ) ما يُتمثل به: «أتانا بها صَفراء يزعم أنَّها/ لتبرٍّ (الذَّهب) فصدقناه، وهو كذوبُ» (الدِّيوان/ دار صادر).
قصة ذلك، أنّ امرأةً تعتزُ ببلادها ودينها ومذهبها ومدنيتها، تراها جحافل الإسلام السّياسيّ عدوةً، ظهرت على الشَّاشة ذاكرةً عمر بن الخطاب بـ«سيدنا عمر رضي الله عنه»، فاتَّخذت ضدها، جمعاً مع تهمة منافحتها ضد تعديل قانون الأحوال الشّخصية، الذي عاد بمجتمعها إلى القرون الخوالي، وأباح ضمناً التّجاوز على الطُّفولة والأُمومة، لأنه قرر تشريع فتاوى لها زمانها الغابر قانوناً، وهي الحقوقيَّة، ترى الفتاوى تُبيح التّجاوز اليوم، يُضاف أنها ضمن المناديات والمُنادين بـ«نريد وطناً»، فاختطفتها جماعة (مقدسة) تملك حرية التَّطاول!
لذا، وصل الأمر في المجتمعات المشحونة بـ«هذا ورد في رواياتنا» أن أصبحت تهزها عبارةُ «سيدنا عمر رضي الله عنه»، مع أنّ ملياراً ومئات ملايين المسلمين يقولونها، وهي لا تلفت النَّظر، ولا تثير الحساسية خارج الانفعال الطائفي، ومَنْ قال لهذه الجماعة ومنظريها إنَّ المذهب كافة يفزع بفزعتهم في الترهات؟لم يكن الخلل بسيطاً، ولا الخطر هيناً، إذا كانت عبارةٌ مسالمةٌ تشعل ناراً، والسَّبب أنَّ مَنْ اعتدى على القائلة يحمل سلاحين، سلاح الدّين والمذهب، والسّلاح النَّاريّ، ميليشيات عابثة، لها معسكراتها ومحاكمها ومعتقلاتها وأجهزتها الأمنيَّة الخاصة، بما يوازي ما لدى الدولة، وبراية وخطاب هدفه، في كلِّ مواقفه لأكثر من عقدين، تدمير البلاد، والتهيئة لحرثها حسب رغبته.
إنَّها مشكلةٌ وجوديَّةٌ، عندما تتقصد إهانة رموز شريك لك بالوطن، يحرص على إجلال رموزك إلى حدِّ التَّقديس، تمثلا بالسّب والشتم الذي أظهره الصَّفويون (1501 – 1723) بإفتاء فقيهٍ لبناء إمبراطورية به، على أنه يُقابل السَّب الذي شرعه الأمويون بين (41 – 99 هـ) لشأنٍ سياسيّ أيضاً، فألغاه خليفة أموي (ابن الأثير، الكامل في التّاريخ)، هو عمر بن عبد العزيز (99 – 101 هـ) سبط عمر بن الخطاب، مثل معاصره جعفر الصّادق سبط أبي بكر الصديق، وحفيد عثمان بن عفان (قُتل 35 هـ) سبط الحُسين بن عليّ (قُتل 61 هـ). أقول: إذا كان النّزاع بالرموز خطيئة الماضين لأغراضهم، فما شأن حاضرنا؟!
أحَسبُ أنَّ التي قالت العبارة، أحضرت تجارب قد مضت، في دفاعها عن جيلها، استخدمت الماضي بطلاقته لا بانكفائه، فهي تُدرك أنَّ نصف شعبها، عرباً وكُرداً وتركماناً، يذكرون عُمرَ بسيدنا، فما الخطيئة؟ وكانت تسأل خاطفيها هذا السُّؤال. غير أنَّ الوعي الوطني لدى الكثرة المنتصرة لها، من مذهبها، مدها بالقوة.أظنها اقتبست مقالة الفقيه سُفيان الثَّوري (ت 161 هـ)، ناصحاً أهل زمانه، في عواصف سابقات: «إِذَا كُنْتَ بِالشَّامِ فاذكُرْ مناقِبَ عليٍّ، وإِذا كُنتَ بالكُوفةِ فاذكُرْ مناقِبَ أَبِي بكرٍ وعُمرَ» (الذَّهبيّ، سير أعلام النُّبلاء). نلاحظ، حرصت وخاطفوها على توظيف الماضي، لكن شتان بين توظيفها وتوظيفهم.
لا تجيد هذه الجماعات غير صناعة مجتمع خاوٍ، لا يعمل لتقدم، ولا ينعم باستقرار، ليسوا أكثريّةَ الناس بل أقليةً، قوتهم بالتنظيم والسلاح، كلُّ ما يمارسونه خراباً، بينما أمثالها يعضون على وطنهم بالنَّواجذ. إنَّ وعيها الوطنيّ يؤشر إلى آمال ليست سراباً.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الشرق الأوسط بين التهدئة الحذرة وإعادة رسم قواعد الاشتباك

لم يكن الحدث الأبرز في الساعات الأخيرة صاروخاً أُطلق، بل صاروخاً لم يُطلق. ففي لحظة كانت المنطقة تترقب فيها ضربة أمريكية ضد إيران، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع...

مؤرخ اسرائيلي يقول ارتكبنا خطأ فادحاً بعدم إدراك أهمية الطائفة الشيعية في لبنان

لم يكن يوجد في إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي إدراك لأهمية الطائفة الشيعية كعامل ينطوي على قوة سياسية كامنة  وأهمية تنمية علاقات حسن الجوار مع الشيعة في جنوب لبنان ، ويرجع...

روما 2… الهدوء الذي قد يرسم ملامح لبنان الجديد

في وقت تبدو فيها المنطقة معلّقة بين إمكانية الانفجار وفرصة التهدئة، لا تبدو أخبار الجنوب اللبناني مجرد تفاصيل ميدانية عابرة، بل إشارات إلى مرحلة قد تحدد شكل لبنان في السنوات...

عباسًا آخر على الفلسطينيين

سلطت قناة France 24 الفرنسية الضوء على تنامي الدور السياسي لياسر عباس، نجل رئيس سلطة رام الله محمود عباس، معتبرة أن صعوده داخل هياكل حركة فتح يعزز الجدل بشأن مستقبل قيادة السلطة...

يا طالب الدبس....

هناك من لا زال يعوّل على الضمانات الأميركية لجعل إسرائيل تحترم اتفاق وقف إطلاق النار وتوقف اعتداءاتها على لبنان وتنسحب من المناطق التي تحتلها في الجنوب. بالتأكيد، لا يملك هؤلاء...

أطماع الأجنبي والاستقواءبه

صراعات و حروب وفتن واضطرابات وثورات. ” النصر عمل والعمل حركة ، والحركةفهم و إيمان، وهكذا ترون أن كل شيء يبدأ بالإنسان” . القائد المعلم جمال عبد الناصر . في حركة...