الأحد، 6 أبريل 2025
بيروت
15°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

سعاد الصباح تروي... حكاية صبية عربية وفارس حقيقي

من صندوق ذكرياتها غرفت وما بخلت ،فلشت اوراقها وتحدثت عن لياليها الالف ،مراهقة وصبية واماً، وما ترددت في ان تخبئ عند كل منعطف مفاجأة لذيذة تفرح القلب. هكذا هي السيدة سعاد الصباح ،التي امتعتنا في رسالتها التي وصلتنا ذات صباح ولن اقول بعد غياب لأنها حاضرة دوما، روت جزءا بسيطا من تجربة كبيرة واضاءة للزوج الراحل الكبير عبد الله المبارك عندما جمعتهما الحياة ولم يفرقهما المغيب.

عزيزتي ماجدة
تسألينني عنه عن الهوى حين كان ،وعن ذكريات عمر لا ينضب نسيمه ،ولا تخبو شموعه،
دعيني اقول لك حكاية صبية عربية كانت انا وحكاية فارس حقيقي كان هو. ،لقد جمعهما القدر في واحدة من صدفه الرائعة والتي تصلح حلما يروى ولا يعاد. كانت اوراق نجاحها المدرسية بين عشرات امامه. حين قرأ الاسم دهش ،هكذا قال لم يكن يدري ان بين صبايا العائلة هذه الصغيرة اجتمع الى ابيها يسأله الرأي في رغبته ان تكون ابنته زوجاً له. صمت الاب المتحضر والعارف دينه وقال :”وجب علي سؤالها فذلك حقها ”
وجاء الاب على شفتيه حديثا كان واضحا انه قد طرب لما سمع ،ولكنه تردد في الكشف عن مكنون رأيه حتى يتركوا لها حرية اتخاذ القرار ،ولعله دهش وقد دهش حقا حين اجابت نعم على بركة الله اذن .
ولم يمض طويل وقت بين السؤال والجواب والفرح الذي لم تعرف الكويت قبله ولا بعده حتى يومنا. لم يكن هناك مدعوون محددون نصف الناس جاءت فليس عاديا كان زواج فارس الكويت ونائب الحاكم وقائد الجيش ومن ابنة عمه. وتحولت ليلة العرس الى نهار بأضوائها وبأهازيجها وبالشعر يطلقه مريدوه ومحبوه. كانت تلك هي الليلة الثانية بعد الليلة الالف والواحدة. يا لهذه الشقية التي احبها عبد الله المبارك وائتمنها على قلبه واسمه لتكون الزوج والرفيق والام لأبنائه.
وحين اطلت تحسب اليوم انها سمعت كلاما كثيرا وجميلا ،وفي بعضه غيرة عفوية جعلها تؤمن انها اختارت حلمها.
من اللقاء الاول من اليوم الاول عرفت انها تتزوج العاصفة ،وما اروع العاصفة حين تهدا بكلمة حب او بنظرة حب او بلمسة حنان، فيتحول الاعصار الى طفل رائع القسمات.
على الرغم من الفرح الكبير فان مسؤولياته الأمنية ظلت تلح علينا، فتقطع ساعات اللقاء. ،كان يترك داره منتصف الليل احيانا في جولة تفقدية يرفض ان يرافقه فيها احد. كان يريد الاطلاع على اوضاع البلد بنفسه، ولا يريد تقريرا حولها، كان احساسه بالمسؤولية عاليا الى حد ذكرني بما كنت اسمعه عمن تتزوج الطبيب الوحيد في القرية. هو لزوجه ولبيته ولكنه في الوقت ذاته هو لكل بيت يحتاجه وهكذا مضت الاسابيع الاولى حتى اذا عرفنا انني احمل مولودنا الاول تغير الامر قليلا.. صار اهتمامه بالبقاء الى جانبي يأخذ حجما اخر. كلماته صار لها طعم اخر ،ابتسامته كانت تتوزع بين الوجه وبين الوديعة الكامنة في الاحشاء. كان سعيدا بأكثر مما تكون الام ،حتى لكأنه الاب والام معا. أحلى الساعات كانت حين نهدأ في ساعة مقتربة من الفجر الذي يحب نوره خصوصا عندما نطل على بحر الكويت ،من شرفة مجلسنا في الضباعية، وهي منتزه خاص ينأى عن العين وعن الضجيج فلا نسمع فيه غير أهزوجة البحر ،يشير الينا بأمواجه متعاقبة وكأنها نشيد تطلقه الريح لنسمعه وحدنا. النبطي يؤنس مجلسنا وكذلك الموسيقى ام كلثوم كانت تقاسمنا متعه الطرب اليها “يا ظالمني” ويضحك هل تحبينها فقط ام ان لعشق سماعها بعدا اخر. ونضحك معا، لا والله ولكن الا تحبها انت اكثر مما احبها؟
ماذا تكتبين. اقرأ له مطالع الشعر وقد بدأت حروفه تغزو اوراقي ،لم تقولي شيئا عن ذلك. لكل شيء وقت وهذا اوان الشعر يستمع ويطرب ويستعيد ويرد علي بأبيات من شعر النبط. كم كان يحفظ منه الكثير الكثير في الحرب والفروسية والحب وتصنيف الرجال.
احسب ان نصف هذا الشعر قد كتب له ولأمثاله من الذكور التي رسمت لخليجنا وجهه العربي. كان اصدقاؤه ومساعدوه يتركون ديوانه في النصف الاول من الليل. مشاغل الحكم وهمومه تأخذه كل النهار ونصف الليل ..لذلك اقول لنفسي تملكتني رعدة من فرح خفي،
حين ابلغني قراره اعتزال مناصبه السياسية والعسكرية. كل عروس تريد عريسها كل الوقت اليس هذا صحيحا؟ فكيف اذا ترافق هذا القرار مع فترة الحمل ومع الامر بإعداد الطائرة للسفر الى لبنان .
لبنان. الله في تلك الايام كان لبنان حلم الفرح لكل قلب في الكويت ،وها نحن نستعد في الصباح للذهاب اليه بعيدا عن هموم المسؤوليات وتعدد المشاغل الكبرى.
لو عرضنا الأمانة…اذن فليسكن القلب المشتاق دارتنا على الرملة البيضاء (الايدن روك) كان المقر وفيه عرفت الايام الحلوة واستمعت الى حوارات السياسة والشعر. كان مجلسه اليومي ندوة لم اضيع فرصة التواجد فيها لازداد معرفة بالحياة، ووعيا لمساراتها ولأتعلم كيف يفكر الاخرون وكيف يبنون خياراتهم.
الان اصبح الوقت ضيقا، فالمولود يتهيأ للإطلال على حياتنا الجديدة لتصبح به كل لحظة من عمرنا فرحا ومتعة وخوفا عليه. يا الله كم هي صعبة أيام الولادة الاولى. فكيف اذا كان المولود هو مبارك الكبير الذي اسميناه على اسم جده لأبيه مؤسس دولة الكويت الحديثة. يومها بدات اعرف ان في حنايا هذا الفارس الذي كان اسمه يثير الخوف في قلوب الاشقياء زوايا لم اكتشفها بالعلم ،ولكنني عرفتها اذ بدا عبد الله المبارك يتغير.
هناك شيء جديد فيه. هناك جسر شيدته ترغلات مبارك ونظرات مبارك في عين ابيه وامه. هنالك ما هو اعظم من الحب الأمومة والأبوة اروع فكيف اذا كانت موشاة بالحب والتفاهم وبالاحترام بين الزوجين. وحرمتنا ظروف صحية من ان يكون لمبارك شقيق او شقيقة طوال عشرات السنوات ،حتى ولد لنا شقيقه محمد والذي حمل هو الاخر اسم جده لأمه حاكم الكويت من 1892 الى 1896.
ترى هل كان القدر يعرف حبنا لمبارك فتركه وحيدا على عرش القلب لأطول وقت مستطاع، ؟ام انه اراد لنا التنعم به وحده وهو العارف بان حياة مبارك هي نيزك لا يلبث ان يغيب بعد اشراق قصير لم يتجاوز 13 عاما؟. رحمتك يا رب.
علمنا لبنان الحب ،علمنا كيف تبنى العلاقة الثابتة بين زوجين انعم الله عليهما بكل ما يتمناه الانسان في حياته. لم نترك زاوية في لبنان من دون لقاء لنا بها وبالناس الطيبين فيها ،لكن احلى الساعات كانت تلك التي نذهب فيها للتمتع بصحبة ذلك الانسان المولود لإفراح سواه نجيب حنكش.
كان صديقنا وكان مؤنس ليالينا ،وكنا نشعر حين نزوره اننا في صحبة كوكبة من المواهب. لم يكن نجيب حنكش ظريفا او شيخ الظرفاء وحسب بل كان المتحدث المثقف والصديق الوفي ،الذي لا يبخل عليك بحكمة او درس من دروس الحياة العريضة التي عاشها ،وعرف من الدنيا اسرارها وجمالها وبعض ما ينغص العمر ايضا. حين نعود من شتوره الى الفيلا كنت احس وكأننا قد ولدنا من جديد بما تحمله النفس من فرح حقيقي ،يجعلنا نطوف اياما وليالي مع ذكريات تلك الساعات الرائعة في. لبنان هذه الدنيا من العجائب، البحر يعلمك كيف تحب الجبل والجبل يعلمك كيف تحب السهل ،والناس تعلمك كيف تحبها وكيف تحب لبنان. وفي نهاية المطاف انت في حب حيثما ذهبت ،واين كان من تلتقي لقد جعلني لبنان اعرف الحب كقيمة سامية في الحياة ،وجعلني احب أكثر وأكثر هذه الحياة. عندما تركنا لبنان الى القاهرة تركت قطعة من عمري ،على كل تلة وعلى جناح كل موجة بحر. وفي مصر بدأت تتكون خلايا الوعي الكونية الحاد كيف لا وصحبتنا فيها كانت ومنذ ايامنا الاولى في عاصمة جمال عبد الناصر ورفاقه اعضاء مجلس الثورة في قصر العروبة مسكننا في جاردن سيتي. كان العرب الكبار اصحاب الدار من جمال عبد الناصر الى شكري القوتلي وفي القاهرة دخلت علاقتنا الزوجية في طريق الشراكة السياسية الحية.
وعلى الرغم من ابتعاد الشيخ عبد الله عن موقع السلطة، الا ان عبد الناصر ورفاقه تعاملوا معه على انه رفيق سلاح عربي. ولم يخيب عبد الله مبارك الظن ،فكان دائما على أهبة الاستعداد الفعلي لدعم الثورة ولجعل علاقاتها مع الاطراف العربية الاخرى تتجه نحو الاعتدال والتصالح .وفي القاهرة شغلتني الدراسة والسياسة واصبح الوقت الخاص في حياتنا ضئيلا خاصة بعد حرب حزيران التي كسرتنا كلنا واشرعت للأحزان دربها الى الدروب الشقية.
لن اخفي حبي له..سوف اتجاوز حدود الرهبة التي احملها في اعماقي كصبية كويتية موجوده في حقبة لن يكن فيها التعرف الى الرجل مباحا فكيف بالصداقة معه. لقد حرمت من شقاوة المراهقة واثقلتني اهتمامات ابي الثقافية بدل السينما، كان الكتاب وبدل اللعب في الفريج (الحارة )كان درس البيانو. لذلك وجدت نفسي ولأول مرة اقول تجربة التماس مع رجل هو الزوج ،وهو الحلم الخجل كان يغلف كلماتي ويظهر على عبارات حب وعندما اخذني الى ديوانه العامر بالسياسة وبالأعمال عرفت ان الدور المقدر لي في حياتنا كان اكبر مما تصورت ،وكان السفر الدائم هوايتنا الاجمل عبر السفر يتعرف الانسان الى الحضارات والى الشعوب وتتغذى معارفه بالملامسة الحية لعناصر تكوين الثقافة. لا ازعم ان حياتنا كلها كانت محاصرة بالشأن العام ،فقد كانت استراحتنا في “الموفنبيك” دائما حين تقوم في تلك المدينة الساحرة جنيف. وعندما اكتشفنا بلدة ميجيف الفرنسية النائمة على كتف الحدود السويسرية اخذت منها هذه البلدة اهتماما خاصا ،اذ تميزت بالهدوء بجمال الطبيعة وبمدرسة صغيرة فيها احتضنت مبارك ،وهو في الرابعة من عمره وقد ضمتنا كل عام “ميجيف “الى قلبها خصوصاً في عطلة عيدي الميلاد وراس السنه، لأننا لم نكن من عشاق الصخب والضجيج بل كانت السكينة هي الوسادة التي نرتاح اليها وننعم بها.
تبقى اجمل رحلاتنا حين نركب الحافلة الصغيرة ونذهب جوالين في اوروبا الشرقية ايامها والغربية ،وكنت احرص على جعل زيارتنا لأي قصر تاريخي مناسبة لتزويد الاولاد والنفس بالمعرفة .وبقيت في الذاكرة صور الاختلاف بين المعالم في بودابست مثلا وبينها في فيينا.. كانت جميلة عامرة بالأبنية الفخمة تعاني من الكآبة بينما كانت مثيلتها في فيينا تشعرك بالفرح والأناقة وبان الحاضر امتداد لجمالية دائمة. انها الحرية اذن. هكذا فهمت وهكذا قال لي رفيق العمر ونحن نغلق جوازات سفرنا مغادرين مدينة الدانوب.
ها نحن عند سور برلين صامتين. هنا يتجسد الصراع بين القوى العالمية وتدفع الشعوب دائما الثمن. امسك بيدي وقال: العرب ايضا اقاموا اسوارا اقصى من هذه ،لأنها صارت بين الشعوب وليس الحكومات فقط ،وتحسرنا على احوالنا التي تشبه اهل برلين الممزقة بين شطرين على الرغم من ارادة الانسان الواحد فيهما. انزلوا اكتبوا اسمائكم على هذا الجدار ذكرى لوقوفنا عنده. ونزل الاولاد وكتبوا اسماءهم على الجدار الذي سقط بعد عام واحد من زيارتنا لأسواره المدببة .
لا احسب ان هناك بلدا من 50 او 60 لم نذهب اليه في زيارة. وحيثما كنا نقيم كانت حياتنا تتجدد ،وكأننا في ايام لقائنا الاولى. صار الاولاد اربعة والحمد لله وصارت صحبتهم متعة كاملة كل شيء يتغير، الا هذه اللغة التي عرفتها في اول ايام زواجي وحتى اخر لحظة من عمرنا معه، لم يتبدل في القلب نبض ولا في العين لمحة ،وبقيت حياتي مع عبد الله مبارك الصباح زوجي ورفيقي ومعلمي تعبق برائحة التفاح واللوز والليمون وتنضج باكتمال حياة واحدة في زوجين. واليوم وكلما فتحت صندوق الذكريات اغمض عيني فاراه معنا حاضنا حنونا ورفيق طريق ،اخذ معه الكثير ولكنه ترك لي ما يترك المحب المغادر ذكرى لا تغيب..

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

عودة إلى السودان

مع قرب انقضاء عامين على حرب السودان الأخيرة الممتدة منذ 15 أبريل 2023 ، انفتحت طاقة أمل عظيم فى وقف...

صديقي رحمه الله.🌹

رحمة الله عليه ،كان إن حكى اي شخص امامه ان هناك من هو أكسل و اخمل منه يغضب كثيراً ويحقد على نفسه كيف...

مساهمة يومية طيلة شهر رمضان المبارك*...*خلطة … فلك”* *التقليد الأعمى و التقليد الأسمى*

رغم الرعب من شيطان حسبه ” *شارلمان* ” أنه يسكن الساعة ذات الرنّة الموسيقية و التي أهداها له...

حرب بين نكرات !!

يتحدثون عن حرب نشأت بين متهمين بسرقة اموال الناس ،وبين متسلطين عبر أبواق شاذين بما يعاقب عليه...

‏من هو الصاحب بالجنب ؟!

هل هو اخوك .. شقيقك .. ابن عمك .. ابن خالتك أو ابن عمتك؟؟ ‏اتعرفون من هو الصاحب بالجنب؟ . ‏وما قصته؟...

الإنفصالية الكردية كانت دائماً على تناغم مع الصهاينة

رد من د مخلص الصيادي ; هذا المقال يتحدث بروح الانفصالية الكردية، وليس بروح المواطنة السورية، وهو...