الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{عمَّ يتساءلون عن النبإِ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} سورة النبأ.
لا شك أنه يجب الإيمان بالله وبما جاء عن الله والإيمان برسول الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أرسل الله الأنبياء بالحق فأخبروا عن الله ما أمرهم الله به ولم يكتموا منه شيئًا فأدَّوا الرسالة وبلَّغوا الأمانة ونصحوا الأمة ولم يألُ الأنبياء جهدًا في دعوة الناس وبذل الوسع في سبيل إنقاذهم من الضلال وإخراجهم من الظلمات إلى النور ليكونوا على المحجَّة البيضاء، وقد ختم الله الأنبياء الكرام بسيد السادات محمدٍ صلى الله عليه وسلم فقام يدعو الناس حريصًا على إرشادهم ويُلقي إليهم جواهر الهدى والعلم ويُحذِّرهم جزاء الضلال المبين الذي أبى أكثرهم إلا أن يغرق فيه ويصرَّ على تكذيب النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقد علموا في قرارة أنفسهم تنزهه عن الكذب والخِداع ومشاهد اهتمامه صلى الله عليه وسلم بدعوتهم كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عبَّاسٍ قال: “لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين (سورة الشعراء) صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا (جزءٌ من جبل ابي قبيسٍ معروف) فجعل يُنادي: يا بني فِهْر يا بني عَدِي لبطُون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهبٍ وقريش فقال: (أي النبي صلى الله عليه وسلم) أرأيتُكُم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكُنتم مُصدِّقيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد فقال: أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تبَّت يدا أبي لهبٍ وتبَّ ما أغنى عنه ماله وما كسب”
هكذا الطُّغاة
وكما كذَّب أبو لهبٍ بالحق ورفض دعوة الهدى كان كذلك حال كثيرٍ من الناس فأصروا على التمادي في الغي مع إيقانهم بصدق محمدٍ صلى الله عليه وسلم بل شهدوا له بذلك حيث قالوا: “ما جرَّبنا عليك إلا صدقا” وعبثًا راحوا يُفتشون في تاريخ هذا النبي العظيم بُغية أن يجدوا في حياته ما يُعاب عليه بزعمهم فلم يجدوا سوى ما يُحمد به من مكارم الأخلاق، ولكنَّ التقليد الأعمى للآباء والأجداد عبر القرون الطويلة دفعهم إلى التمادي في الباطل قال تعالى:{وإذا قيل لهم تعَالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبُنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أوَلو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون} سورة المائدة.
وراحوا يتساءلون فيما بينهم واعجب لهم كيف يُشككون فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشهدون له بالصدق، ولكنَّ الكبر وحبَّ التسلُّط والظهور ورفض المسير في ركاب الحق إلى جانب الفقراء والضعفاء إذا تمكَّن في النفس حمل صاحبه على ما لا تُحمد عُقباه وأرداه في المهالك، وما أكثر من انغرست في قلبه هذه الصفات قديمًا وحديثًا فتراه يردُّ الحق ويرتاب في حقِّية ما جاء به الأنبياء الكرام ويُناقش في ذلك تأبى نفسه أن ينساق مع المؤمنين الصادقين لأنه يعتقد نفسه فوقهم فيستبعد أن يكون مخطئًا وأن يكون هؤلاء العوامُّ الذين يرى أنه لا يؤبه لهم على الحق، وهذا ما كان من كفَّار قريش حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعلوا يتساءلون فيما بينهم فيقولون: ما الذي أتى به محمدٌ ويتجادلون فيما بُعث به كما دلَّت الآيات أعلاه وعن أي شىءٍ يتساءلون وليس في العقل ما يمنع صحة ما جاء به الأنبياء الكرام، وما الذي يحملهم على تكذيب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وقد علموا صدقه فيما ألقى إليهم عن النبإِ العظيم وهو أمر نبوته وما جاء به من القرآن العظيم وذكر البعث والقيامة، وقد اختلف الناس في ذلك بين مؤمنٍ مصدِّقٍ وهم الذين استجابوا لله ورسوله وارتضوا الإيمان دينًا، وبين معاندٍ مكذِّبٍ وهم الكفار الذين لم يقبلوا الدعوة قال تعالى:{بل عجبُوا أن جاءهم منذرٌ منهم فقال الكافرون هذا شىءٌ عجيب} سورة ق.
قال أبو حيَّان في “البحر المحيط” “بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم إنكارٌ لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالخوف رجل منهم قد عرفوا صدقه وأمانته ونُصحه، فكان المناسب أن لا يعجبُوا” وقد توعَّد الله هؤلاء المشركين بقوله {كلَّا سيعلمون ثم كَّلا سيعلمون} فكلمة كلَّا ردعٌ وزجرٌ لهم وردٌ عليهم والتكرار توكيدٌ للوعيد، والمعنى سيعلمون عاقبة تكذيبهم وسيعرفون أن الأمر على خلاف ما قالوا.
الإيمان حق
وحيث عُلم هذا وأوحى الله إلى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالحق فنقول:
يجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في ذلك ما كان من تحليل وتحريم بعض أقوال وأفعال العباد والإخبار ببعض ما يكون في آخر الزمان بين يدي الساعة من العلامات الصغرى والكبرى التي تدلُّ على قرب القيامة وما يكون في البرزخ أي مدة القبر والبعث من القُبور والقِيامة والحساب وهو عرض أعمال العباد عليهم وتوقيفهم عليها والثواب وهو الجزاء الذي يُجزاه المؤمن مما يسرُّه ذلك اليوم والعقاب وهو الجزاء الذي يُجازاه العبد بما يسوؤه على الأعمال الخبيثة ذلك اليوم والحشر وهو جمع الناس على الأرض المبدَّلة للحساب والشفاعة لأهل الذنوب الكبائر من المؤمنين الذين ماتوا بلا توبةٍ وهي طلب الخير من الغير للغير فيطلب الشُفعاء كالأنبياء والشهداء والصالحين من الله إسقاط العقوبة عن بعض المؤمنين قبل دخول النار فيسامحهم الله ولا يُعذِّبهم وتُصيب الشفاعة بعضهم بعد دخول النار فيخرجهم الله منها والجنة ونعيمها وخلود المؤمنين فيها والنار وعذابها وخلود الكافرين فيها وغير ذلك مما أنبأنا به نبينا الصادق المصدوق ووجب علينا الإيقان به.
ولقد قيل:
وكلُّ ما أتى به الرسول فحقُّه التسليم والقبول
والحمد لله أولًا وآخرًا.


