في السياسة، الصمت عن الإهانة خيانة. فكيف إذا جاء الصمت من وزير خارجية دولة يُفترض أنها ذات سيادة، ويُفترض أنها تحترم نفسها في المحافل الدولية؟
مرّت 36 ساعة على تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا وتركيا، توماس براك، المهينة للصحافة اللبنانية، والتي صدرت من منبر رئاسة الجمهورية… أعلى منبر رسمي في الدولة. ومع ذلك، لم يصدر عن وزير الخارجية يوسف رجي كلمة واحدة: لا بيان، لا تغريدة، لا حتى تلعثم عابر أمام ميكروفون يتيم.
سُبَّ الصحافيون اللبنانيون علنًا، أمام دبلوماسيين ومسؤولين. لكن الوزير كان في كوكبٍ آخر… أو كأنه ينتظر لحظة يعلن فيها للبنانيين أن “سمعًا وطاعة للمندوب السامي” صارت سياسة رسمية، وأنه لا بأس أن نرمي سلاح الكرامة أرضًا وننتظر ما يقوله الإسرائيلي في جولاته العسكرية.
بئس الدبلوماسية إذا كان الصمت عن الإهانة هو “الحكمة”. وبئس الحنكة إذا كان الانبطاح يُسوّق على أنه “تبصّر”. فلو أراد الوزير تسجيل موقف، لرفع السقف كما تفعل الدول المستقلة، وربما احرز بموقف تقدما في التفاوض. لكنّه آثر الصمت. لا لأنه دبلوماسي محنّك، بل لأنه ببساطة لا يملك الجرأة.
في الساعات الأولى، ظنّ البعض أن معاليه لم يسمع بالتصريحات، أو لعلّه لا يملك اشتراكًا بخدمة العاجل. أو ربما كان يراجع الترجمة الحرفية لكلمتي “الحيوانية” و”الهمجية” ليستوعب وقع الصفعة. لكن الحقيقة أبسط وأقسى: يوسف رجي، وزير خارجية بلا خارجية، وبلا موقف.
في لبنان، تُهان الصحافة في صرح يُفترض أن يكون بيت الدولة، ولا يتحرّك وزيرها الخارجي للدفاع. لكن لا بأس، فهناك دائمًا من هم أجرأ منه: النائبة بولا يعقوبيان قالتها كما يجب، ومي شدياق، من فريقه السياسي، عبّرت عن غضب غاب عن وزراء “الصف الأول”. هذا إن كان رجي من هذا الصف أصلاً.
السفيرة الأميركية تتصرف كما لو أنها المندوبة السامية: تُعلّق، تُعاقب، تُكافئ، تُحاضر، ولا أحد يجرؤ على محاسبتها. والآن، وبعد هذه الإهانة الصريحة، هل يجرؤ معالي الوزير على فعل ما تفعله كل دول العالم؟ استدعاء السفيرة؟ توبيخها؟ أو حتى مجرد الاتصال بها للتعبير عن امتعاض رمزي؟
الأسوأ من الإهانة هو التعايش معها. والأسوأ من الصمت هو تحوّله إلى سياسة دائمة، هذا الوزير لا يدافع عن كرامة الصحافة، ولا عن سيادة الدولة، ولا حتى عن صورته. فهل هذا الصمت خيار شخصي، أم قرار حكومي؟ وإن كان رسميًا، ألا يحقّ للبنانيين أن يطالبوا باعتذار من حكومتهم قبل أن يطالبوا باعتذار من واشنطن؟
في بلد طبيعي، تصريح براك يُقابل بطرد. في بلد سويّ، تُعقد مؤتمرات صحافية، تُستنكر الإهانات، وتُرفع النبرة، لا ان نلوذ بالصمت”.


