الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
18°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

رسالة إلى السيد.. هذا النوم الناعس كنوم الغزلان

سلوى فاضل

كم صعب أن أكتب عنك؛ كم من طاقة أحتاجها حتى أشحن ذاتي لأصدّق أنك لست هناك في ذاك الزاروب الذي كنّا نمرّ على رصيفه المتواضع كلّ يوم، زرافات ووحدانَا. ولو أشهرَ هذا الزاروب إسم قاطنه لبتنا كالعاشق الذي لا يُغادر أسفل شرفة معشوقته.

كنت أرغب دومًا برسالة أخطّها بيدي وأرسلها إليك أشكو فيها بعضًا من هميّ الوطني والمهني، لكن لطالما كنت أخاف سطوة مرافقٍ على أوراقي، ولِين عطفه عليك، فيرميها في سلّة قريبة خوفًا من تضييع وقتك بكلمات لإمرأة قلقة على أمّة وقائدها، على الناس وحاميهم.

سيديّ؛

هي المرة الأولى التي أنادي بها إنسانًا بمثل هذا النداء الذي هو ليس دليل عبوديّة، بل هو استسلام لسطوة حضورك، ونبرة صوتك، ولعميق فهمك، وجمالك اليُوسفي، وكلّ ما لا يمكن أن أنزعه من كلام من قلبي الذي عتّم عليه غيابك. هذا الغياب الذي لم أصدّقه إلى حين رأيتك في ثوبك الأصفر في يوم 23 شباط/فبراير الجنائزي، وصوتك يُلّحن مجلس عزائنا الذي بدا أنّه بثٌ مباشر احترامًا لأناس زحفت لتُسلّم عليك لا لتودع هذه الهامة العملاقة النائمة كنوم الأمير في نعش مكذوب، لا يلبث أن ينهض ليمد يده إلى عروسه المُتلهّفة للقائه. لم تُشفق علينا يا سيد؛ كنت قاسيًّا وللمرة الأولى؛ رحلتَ قبل أن نفديك بروحنا؛ رحلتَ ولم تنتظر معنا خروج صاحب الزمان؛ ماذا سنقول لأطفالنا، لشبابنا؟ كيف سنشرح لهم عنك؟ عن سرّك الذي لم نتمكّن من كنهِهِ. خالفتُ عشق الجمهور لكَ، لكن فجأة بدأتُ أبحث عن أقوالك ومحاضراتك، وصورك، وبسمتك.. صرتُ أسيرتَك التي لن تتحرر أبدًا ما دامَتْ على قيد الحياة.

سيّدي؛

ما آلمني أنني زرتُ مهوى قلوب الناس ضريحك، ورأيتهم جميعهم جنبك يحادثونك، يبكونك، ينادونك، أما أنا فكرهت رخامًا يمنعنا عنك، كرهتُ رخامًا جامدًا لا يتكسّر فيخرجك إلينا صادحًا: يا أشرفَ الناس، يا أطهرَ الناس، يا أعزَ الناس. من جميل روحك أنك كنت تقرأ كلّ شيء وتُصغيّ للجميع، ترانَا ولا نراكَ، تُحبنا مثلما نُحبك، تفرح لفرحنا، تحزن لحزننا، لم تكن أبدًا رئيسنا، ولا زعيمنا، ولا أميننا العام، كنتَ نفسنا، وروحنا، كنتَ “نحن كلنّا” في وقتٍ واحد. كنت تعلّق على ما يُصيبنا من تعب ومشاكل وأزمات وعقبات، كنتَ عيوننا التي نرى بها، وقلبنا الذي نتألم به، وكنت يدنا وأذننا.. لم تغب في صومعة إشتهر بها الزعماء، كان طعامُك طعامنا، وبيتُك بيتَ أفقرنا، ولباسُك لباس أكثرنا تواضعًا، لكنك كنت أجملنا وأغنانا، وأطهرَنا، وأرقانا.. الفقدُ الذي نُعانيه بعدك لا يمكن لأيّ إنسان على وجه الأرض أن يفهمه ما لم يكن قد مرّ على الضاحيّة أو سكن في زواريبها. قالوا لنا إنك كنت تتفقدنا وتمرّ بسيارتك في شوارع منطقتنا ومن أمام بيوتنا، ولم نكن ندري، فأرجو أن تكون قد لمحتني يومًا أمرّ من أمامك لعلك ببصيرتك تكون قد التقطت شغفي بك وحبيّ لك. لا تقولوا لي أين كنتِ تُخبئين كلّ هذا الحب للسيد، أنا مثل كُثر؛ لا أعلن حبي لأيّ شخص دون داعٍ، لكنني اليوم نادمة أشد الندم لأني لم أقتحم كلّ الأبواب لألتقيك، لماذا كنتُ أؤجل لقائيّ وبحثي عنك ورسالتي إليك؟ يا لغدر العمر، كيف أراد الله أن يحرق قلوبنا على فراقك، هل خذلناك يا سيد حتى تركتنا هكذا سريعاً؟ كذبّتُ الناعيّ لأن النصر وخطابه أنت سيدهما، من سيُعلن النصر؟ من سيدخل الضفة وجنين وغزة؟ من سيرفع راية المقاومة هناك؟ من سيقف مُعلنًا التحرير؟ أيليقُ بغيرك خطابُ النصر سيديّ؟ لا، لا يليق أبداً بأحد غيرك؟ عُد سيدي في القريب العاجل قبل أن نرحل كمَداً على خسارة لا يمكننا أن ندرك حجمها، وإلا لفقعت قلوبنا، وانفجرت رؤوسنا من هولِ الخبر. إنّ الموت حق، هذا ما سيُجيبني عليه كثيرون، لكن لطالما كنتُ مقتنعة وما زلت: الحرية باتت قريبة، فمن للحريّة بعدكَ؟ دومًا تحضرُ صورة والدتك في ذهني، وأقول هنيئًا لها ارتحالها قبل أن تسمع الخبر – الفاجعة. ونحن، ها هنا، بعد الخبر المَهول غير مصدّقين، ما نزال ننتظر عودتك كالأب الذي يختبىء خلف الباب طارقًا إياه بقبضته ليفرح أطفاله بما حمل لهم عند غروب يومٍ صيفيّ طويل. فهل ستعود إلينا حاملاً الهدايا نحن أطفالك الذين أدمنا حبك، أنفاسك، كلماتك، معادلاتك، ضحكتك، غضبك. وحين نصحو من كبوة الترّقب، سنكتشف أننا ما زلنا في صحوة الألم والخوف على حالنا لأنك لست معنا.. فمن يحمينا من العدو غيرك؟ صوتك الغاضب كان يصيبهم بالرعب، وهدير أقدام المجاهدين والمناضلين يصيبهم بنوبات من الخوف. قلوبهم شتى تحسبها واحدة، وهم شتات الأرض. لم تكن جنازتك مهيبة بالحضور؛ كانت هيبتك قد رمت بثقلها على كل من أتى وشارك، أتى ليُحصّل بعض عنفوان من ذرات هواء فوق جثمانك الشريف. كان الأئمة يحرسون هذا النعش الجميل، هذا النوم الناعس كنوم الغزلان..

 

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...