الأحد، 8 مارس 2026
محافظة بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الطريق إلى اتفاق جيد مع إيران!

الطريق إلى اتفاق جيد مع إيران!

ليس من الواضح ما إذا كانت الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة قد قللت أم زادت من احتمالية تسليح إيران نوويًا. صحيحٌ أن هذه الهجمات ألحقت ضررًا بالغًا بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تُخمد رغبة الجمهورية الإسلامية في امتلاك الأسلحة النووية. بل إنها زادت من حالة عدم اليقين بشأن كمية وموقع وحالة العناصر الأساسية في البرنامج النووي الإيراني. كما أنها لم تُعرقل مساعي إيران لبناء قنبلة نووية، بما في ذلك استخدام ما تبقى من معدات ومواد وخبرات في عملية سرية صغيرة
في أعقاب الضربات، استأنفت إدارة ترامب سعيها للتوصل إلى اتفاق نووي جديد يحظر تخصيب اليورانيوم والبنية التحتية المرتبطة به في إيران – وهي نتيجة “تخصيب صفري” من شأنها أن تحبط أي نية إيرانية لبناء قنبلة، لكن طهران رفضتها بشدة، على الأقل حتى الآن. إذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق بعد جهود حثيثة، فقد تفكر الإدارة بجدية في الاعتماد فقط على الوسائل العسكرية والاستخباراتية لإحباط جهود إيران لإحياء برنامجها النووي، وهو نهج تؤيده الحكومة الإسرائيلية بشدة. لكن الخيار العسكري قد يؤدي إلى صراع مسلح دائم في المنطقة من دون منع امتلاك إيران للأسلحة النووية بشكل موثوق. سيكون الخيار الأفضل هو التفاوض على اتفاق يسمح بتخصيب اليورانيوم في إيران ولكنه يحد منه بشكل صارم ويتحقق منه بدقة.

العودة إلى الطاولة

منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب التي استمرت 12 يومًا، سعت إدارة ترامب إلى استئناف تعاملها الثنائي مع إيران. لكن إيران لم تكن مستعدة للقاء، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الانقسامات داخل النخبة في طهران حول مزايا المفاوضات مع الولايات المتحدة. أصر المسؤولون الإيرانيون، بمن فيهم وزير الخارجية عباس عراقجي، على شروط مسبقة لا ترغب واشنطن في قبولها، مثل ضمان الولايات المتحدة بأن إيران لن تتعرض للهجوم أثناء سير المفاوضات.
ومع ذلك، ووفقًا “لرويترز”، يقول “المطلعون” على النظام إن المرشد الأعلى علي خامنئي ،وأعضاء هيكل السلطة الدينية قد توصلوا مؤخرًا إلى توافق في الآراء على أن استئناف المفاوضات أمر حيوي لبقاء النظام. إذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن تجد إيران والولايات المتحدة صيغة للعودة إلى طاولة المفاوضات قريبًا.
ينبغي أن تكون استعادة أنشطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمراقبة في إيران، والتي عُلّقت بموجب قانون وقّعه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 2 يوليو/تموز، من الأولويات الأمريكية المُلحة في أي محادثات مُستأنفة. في أعقاب الضربات العسكرية في يونيو/حزيران، لم تعد الوكالة قادرة على حصر نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي ربما دُفن تحت الأنقاض، أو كما يعتقد البعض، نُقل من منشآت التخزين قبل الضربات.

كما لم تعد الوكالة قادرة على حصر عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي التي أُنتجت بعد أن رفضت إيران السماح للوكالة بدخول ورش إنتاج أجهزة الطرد المركزي عام 2021
وتظل إيران مصرة على أنها لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم محليا.
إن إخضاع جميع اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي والمكونات المحتملة الأخرى لبرنامج الأسلحة النووية الإيراني لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحاسبتها أمرٌ ضروري لقطع الطريق على إيران في سعيها لامتلاك أسلحة نووية. زار خبراء الوكالة طهران في 11 أغسطس/آب لمناقشة سبل استئناف أنشطة الوكالة في إيران، لكنهم لم يُمنحوا حق الوصول إلى المواقع النووية في البلاد. ورغم أن الإيرانيين سيمنحون الوكالة قريبًا حق الوصول إلى منشآت لا تُثير قلق الانتشار النووي، مثل ذبذب يبقي مفاعل بوشهر للطاقة ومفاعل طهران للأبحاث، إلا أنهم سيواصلون حجب هذا النوع من التعاون الكامل الضروري لإعطاء الوكالة صورة كاملة ودقيقة عن برنامجهم النووي. وقد يعتبرون هذا التعاون مقبولًا فقط كجزء من اتفاق شامل، ويستخدمون رفض التعاون كورقة مساومة تُلعب لاحقًا في المفاوضات.

قد تُركز المحادثات الأمريكية الإيرانية المُستأنفة سريعًا على القضية التي أدت إلى جمود الجولات الخمس الأولى من المفاوضات خلال إدارة ترامب الثانية: ما إذا كان ينبغي للاتفاق أن يحظر جميع أنشطة التخصيب والبنية التحتية المرتبطة به في إيران. تُصرّ إدارة ترامب على أنها لا تزال ملتزمة التزامًا راسخًا بمقترحها “التخصيب الصفري”، كما صرّح المبعوث الخاص للرئيس ستيف ويتكوف لشبكة ABC News في 18 أغسطس/آب. قد تعتقد إدارة ترامب أن التهديد بشن المزيد من الضربات العسكرية إذا حاولت إيران إحياء برنامجها النووي – إلى جانب ضعف إيران الاستراتيجي الحالي وضعفها الاقتصادي وعزلتها الدولية – يعني أن طهران لا تملك خيارًا سوى التخلي عن برنامج التخصيب، وربما حتى طموحاتها النووية تمامًا.

مع ذلك، تُصرّ إيران على أنها لن تتخلى عن التخصيب المحلي. يُعدّ البرنامج النووي الإيراني، وخاصةً برنامج التخصيب، مصدر فخر وطني، وإثباتًا للبراعة التكنولوجية، ورمزًا للتحدي. كما يدّعي المسؤولون الإيرانيون أنه بمثابة بوليصة تأمين ضد أي انقطاع محتمل لإمدادات الوقود من قِبل موردي اليورانيوم المخصب المحتملين لإيران في المستقبل. علاوة على ذلك، يُمثّل البرنامج أولوية وطنية عليا سعت إيران لتحقيقها بتكلفة اقتصادية وبشرية باهظة، بما في ذلك استشهاد كبار العلماء والقادة العسكريين.

يمكننا الافتراض أن دعاة امتلاك الأسلحة النووية الإيرانيين، سواءً داخل القيادة أو خارجها، يعارضون بشدة حظر التخصيب، معتبرين إياه تخليًا نهائيًا عن طموحاتهم النووية. ومع ادعاء المتشددين أن الرضوخ للمطالب الأمريكية يُعدّ إذلالًا وخيانةً وطنية، قد يخشى خامنئي أن يؤدي قبول التخصيب الصفري إلى زعزعة استقرار النظام.

البحث عن حلول
اقترح خبراء من الخارج سبلًا لسد ما يبدو فجوةً لا يمكن ردمها بين الموقفين الأمريكي والإيراني بشأن قضية التخصيب. ومن بين هذه الأفكار التي حظيت باهتمام الدوائر الرسمية ومراكز الأبحاث، إنشاء اتحاد متعدد الأطراف لدورة الوقود، قادر على إنتاج اليورانيوم المخصب للمساعدة في تلبية الاحتياجات النووية المدنية للمنطقة. ويعتقد المؤيدون أن مشاركة أكثر من دولة في ملكية منشأة التخصيب وإدارتها، وربما حتى تشغيلها، من شأنه أن يعزز الشفافية ويقلص فرصة أي دولة لتحويل المنشأة إلى إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب للأسلحة النووية.

لكن إيجاد صيغة لاتحاد متعدد الأطراف يكون مقبولاً في كلٍّ من طهران وواشنطن أمرٌ بالغ الصعوبة على الأرجح. فالاتحاد الذي يُنشئ منشأة تخصيب في دولة خليجية عربية ويستبعد أي تخصيب محلي في إيران لن يحظى بقبول واسع في طهران. من ناحية أخرى، فإن الاتحاد الذي يسمح باستمرار التخصيب في إيران لن يحظى بقبول واسع في واشنطن. علاوة على ذلك، فإن منشأة تخصيب تُدار وتُشغّل على أساس متعدد الجنسيات، أينما كانت، قد تُعرّض للخطر نشر تكنولوجيا التخصيب إلى دول أخرى، مما يُشكّل مشكلةً كبيرةً من منظور منع الانتشار.

مع عرقلة الخلاف حول التخصيب للتوصل إلى اتفاق شامل، أفادت التقارير أن المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين يدرسون التوصل إلى اتفاق مؤقت. سيكون هذا الاتفاق المؤقت ترتيبًا محدود المدة، يضع مسألة التخصيب جانبًا مؤقتًا، ويُظهر تقدمًا في حزمة خطوات صغيرة يُقدّرها أحد الجانبين، ويُتيح وقتًا للتفاوض على اتفاق نهائي. قد يرى الجانبان في الاتفاق المؤقت وسيلةً للحفاظ على استمرار المحادثات بدلًا من مواجهة العواقب السياسية الداخلية المترتبة على عدم التوصل إلى اتفاق شامل أو تقديم تنازلات مؤلمة لتحقيقه.

وسوف يتعين على الجانبين التوصل إلى حل لقضية التخصيب.
من المرجح أن تختلف عناصر اتفاق مؤقت محتمل في أعقاب الهجمات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية اختلافًا كبيرًا عما كان قد درسه المفاوضون قبل حرب يونيو. على سبيل المثال، لن يكون تعليق إنتاج إيران لليورانيوم المخصب بنسبة 60% – والذي أوصى به سابقًا خبراء خارجيون كعنصر من عناصر الاتفاق المؤقت – محل اهتمام كبير للولايات المتحدة لأن هذا الإنتاج قد توقف بالفعل، مؤقتًا على الأقل، بسبب الهجمات.

في اتفاقٍ مؤقت لما بعد الحرب، قد تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على التزامٍ إيراني بقبول استئنافٍ كبيرٍ لأنشطة مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو الامتناع عن بعض الأنشطة النووية، مثل الاستعدادات لاستئناف التخصيب في المنشآت المتضررة. في المقابل، قد تسعى إيران إلى تخفيفٍ جزئيٍّ للعقوبات، أو الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المودعة في حساباتٍ خارجية، أو تعهدٍ من الولايات المتحدة بعدم مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية أو دعم أي هجومٍ عليها.

لكن مع سعي كل طرف إلى تعظيم مكاسبه وتقليل تنازلاته، قد يكون من الصعب للغاية إيجاد صيغة مقبولة للطرفين لاتفاق مؤقت. وحتى لو أمكن التوصل إلى اتفاق، فمن المرجح ألا يدوم اتفاق مؤقت طويلًا. ومع احتمال امتناع إيران عن التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال أي اتفاق مؤقت، فإن استمرار حالة عدم اليقين بشأن الأنشطة النووية الإيرانية غير الخاضعة للرقابة قد يصبح أمرًا لا يُطاق بالنسبة لواشنطن. كما أن فشل إيران المتكرر في الحصول على تخفيف كبير للعقوبات مع استمرار امتناعها عن اتخاذ خطوات مثل الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي قد يصبح أمرًا لا يُطاق بالنسبة لطهران، وخاصةً المتشددين فيها.

عاجلاً أم آجلاً، سيتعيّن على الجانبين التوصّل إلى حلّ لمشكلة التخصيب. من المُرجّح أن يستسلم الإيرانيون في نهاية المطاف تحت تهديد المزيد من الهجمات العسكرية ويقبلوا بوقف التخصيب تماماً. لكن بالنظر إلى المعارضة الشديدة من التيار المتشدد وخوف القيادة من العواقب الداخلية المحتملة للاستسلام لإسرائيل والولايات المتحدة، فإنّ ذلك مستبعدٌ للغاية. وإذا لم يستسلم الإيرانيون، فسيتعين على إدارة ترامب الاختيار بين خيارين رئيسيين. إما أن تعتمد الولايات المتحدة على الوسائل العسكرية والاستخباراتية لوقف أي مساعي إيرانية لامتلاك أسلحة نووية، أو أن تُعدّل موقفها التفاوضي سعياً للتوصل إلى اتفاق يسمح بالتخصيب في إيران ضمن قيود صارمة ونظام تحقق صارم.

سلبيات التخلي عن الدبلوماسية
يتضمن الخيار العسكري الانسحاب من المفاوضات، وإعطاء الأولوية لجمع المعلومات الاستخباراتية للتركيز بشكل كبير على الأدلة المحتملة على استئناف الأنشطة النووية، وعند الضرورة، استخدام القوة العسكرية أو العمليات السرية لمنع إيران من إعادة بناء برنامجها النووي وقواتها الصاروخية ودفاعاتها الجوية المتدهورة. ومن المفترض أن تتولى إسرائيل زمام المبادرة في تنفيذ هذا الخيار، لكنها ستحظى بدعم الولايات المتحدة في جمع المعلومات الاستخباراتية، والدفاع عن هذا النهج دبلوماسيًا، وربما المشاركة في عمليات عسكرية أو سرية.

يثق مؤيدو هذا النهج، بمن فيهم عدد كبير من المسؤولين والخبراء غير الحكوميين في إسرائيل والولايات المتحدة، بأن الاختراق العميق للمخابرات الإسرائيلية لإيران، والهيمنة التي تتمتع بها إسرائيل والولايات المتحدة على المجال الجوي الإيراني، سيمكنان الحليفين من رصد أدلة على استئناف الأنشطة النووية، وضرب أهداف إيرانية، إذا لزم الأمر، مع احتمال نجاح كبير. علاوة على ذلك، يرى هؤلاء أن غياب الاتفاق سيمنح إسرائيل والولايات المتحدة القدرة على التحرك الفوري والحازم ضد إيران في الوقت الذي يناسبهما، دون أي تأخير أو تعتيم مرتبط بإجراءات التحقق والتنفيذ المتفاوض عليها. ولن يتضمن ذلك تعويض إيران بتخفيف العقوبات أو إمداد نظام يكافح للبقاء على قيد الحياة.

لكن اتباع المسار العسكري بدلاً من المسار الدبلوماسي له سلبيات كبيرة. فقد حققت الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية نجاحًا باهرًا ضد منشآت نووية كبيرة ومعروفة. لكن أي جهد إيراني لبناء ترسانة نووية أولية في مواقع سرية أصغر بكثير ومدفونة بعمق سيكون أقل عرضة للضربات الاستباقية. ولأن التخلي عن المفاوضات سيضمن على الأرجح استمرار عدم تمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول الكافي إلى المواقع، فسيكون من الأسهل على إيران مواصلة برنامج سري كهذا في ظل هذا النهج.

قد تتطلب هذه الاستراتيجية ضربات عسكرية متكررة في المستقبل. قد يدفع هذا النهج القائم على “جزّ العشب” إيران إلى ردّ انتقامي ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية والدول الشريكة لها، مما قد يُخاطر بدوره بجرّ الولايات المتحدة إلى صراع مسلح طويل الأمد في الشرق الأوسط. كما أنه سيُنفّر شركاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين يخشون عدم الاستقرار الإقليمي ويُفضّلون الانفراج مع إيران، ويُقلّل من فرص تحقيق تطبيع وتكامل إقليميين أكبر.
كما أن إنهاء المفاوضات واللجوء إلى الوسائل العسكرية قد يُحفّز انسحاب طهران من معاهدة حظر الانتشار النووي، وربما قرارًا مُؤجّلًا منذ فترة طويلة بصنع أسلحة نووية.

تصحيح المسار
الخيار الأفضل للولايات المتحدة هو إعادة النظر في اقتراحها المتعلق بمنع التخصيب تمامًا، والسعي بدلًا من ذلك إلى التفاوض على برنامج تخصيب يورانيوم مقيد بشدة وخاضع للتحقق الدقيق. ويمكن أن يستند الاقتراح الأمريكي المُعدَّل إلى مبدأ السماح لإيران بامتلاك برنامج تخصيب قادر فقط على تلبية متطلبات الوقود الواقعية قصيرة الأجل لبرنامج نووي سلمي حقيقي – وهو موقف يتماشى مع ادعاء إيران الراسخ (والمخادع) بأن برنامجها كان دائمًا سلميًا حصريًا. ومع توريد روسيا للوقود لمفاعلات الطاقة التي بنتها روسيا في بوشهر، وكون تشغيل مفاعلات الطاقة المصممة إيرانيًا لا يزال بعيدًا، فإن متطلبات إيران الحالية للتخصيب متواضعة للغاية، وربما تقتصر في الوقت الحالي على تزويد مفاعل الأبحاث في طهران بالوقود، بالإضافة إلى مفاعلات بحثية جديدة محتملة ومفاعلات إنتاج نظائر، والتي تكون متطلباتها من اليورانيوم المخصب أقل بكثير من متطلبات مفاعلات الطاقة النووية.

يتطلب هذا النهج من إيران التخلص من مخزوناتها الحالية من اليورانيوم المخصب بنسبة تزيد عن 5% باليورانيوم-235، إما بتخفيفه أو نقله إلى دولة أخرى (كما نُقل فائض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى روسيا بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015). كما سيدعو طهران إلى تفكيك أجهزة الطرد المركزي التي تفوق قدرتها على التخصيب اللازمة لتلبية متطلبات إنتاج الوقود على المدى القريب، أو نقلها إلى دولة أخرى لتخزينها بشكل آمن.

سيُطلب من إيران تحويل اليورانيوم المخصب إلى أقل من 5%، سواءً كان منتجًا حديثًا أو موجودًا في مخزونها الحالي، من شكله الغازي، الذي يُمكن إدخاله في أجهزة الطرد المركزي وزيادة تخصيبه للأسلحة النووية، إلى شكله المسحوق، وهو أقل قابلية للاستخدام في برنامج الأسلحة، وهو الشكل اللازم لعملية تصنيع وقود المفاعلات النووية أو أهداف إنتاج النظائر.

وستقتصر المخزونات الحالية من اليورانيوم المخصب إلى أقل من 5%، وكذلك اليورانيوم الطبيعي في شكله الغازي، على الكمية اللازمة لتلبية احتياجات التزود بالوقود على المدى القريب.

سيُطلب من إيران الإفصاح للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقديم مبرر لأي توسيع في قدرتها على التخصيب، مثل زيادة أجهزة الطرد المركزي، أو زيادة مخزون اليورانيوم المخصب، أو إنشاء منشآت جديدة، تعتقد أنها ضرورية لدعم الإضافات الفعلية والقصيرة المدى لبرنامجها النووي المدني – كمفاعل نووي جديد في مرحلة متقدمة من البناء، على سبيل المثال – بدلاً من دعم الإضافات المخطط لها والتي لن تتحقق لفترة طويلة. بالإضافة إلى ذلك، سيسمح الاتفاق بالتخصيب فقط في منشأة تخصيب واحدة فوق الأرض، وسيتطلب الإغلاق الدائم لمنشأتي التخصيب في نطنز وفوردو.

لإعادة بناء فهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتالي المجتمع الدولي، الكامل والدقيق للبرنامج النووي الإيراني، لا سيما في ظل الشكوك الكبيرة السائدة اليوم، يجب أن تشمل ترتيبات الرصد والتفتيش في أي اتفاق جديد التدابير الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، بل تتجاوزها.

ستقدم إيران معلومات مفصلة عن الأنشطة غير الخاضعة للمراقبة التي نُفذت بعد تعليقها تطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية عام ٢٠٢١، مثل إنتاج أجهزة الطرد المركزي. كما سيتم حظر المعدات والأنشطة المتعلقة بتصنيع الأسلحة النووية، مع الإعلان عن المعدات والأنشطة ذات الاستخدام المزدوج والتحقق منها.

وستُستخدم تقنيات الرصد المتقدمة، بما في ذلك أجهزة رصد التخصيب الآنية وعبر الإنترنت، على نطاق واسع وفقًا لتقدير الوكالة.

ستكون هناك حاجة إلى ترتيبات تفتيش مُبسَّطة لتسهيل وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية الفوري إلى المواقع المشتبه بها، بما في ذلك المنشآت العسكرية وغيرها من المنشآت الحساسة. ومن شأن إجراءات فض النزاعات والإنفاذ السريعة أن تُسهم في ضمان قدرة الجهات المعنية، مثل حكومات الدول الأطراف في الاتفاق، أو مجلس محافظي الوكالة، أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على اتخاذ الإجراءات المناسبة وفي الوقت المناسب لمعالجة مسائل عدم الامتثال.

ستكون هناك حاجة إلى تدابير خاصة لردع عدم الامتثال، بما في ذلك حق أطراف الاتفاق في تعليق تخفيف العقوبات والمزايا الأخرى الممنوحة للطرف غير الملتزم. كما أن صدور بيان أمريكي أحادي الجانب يحتفظ بحق اتخاذ أي خطوات ضرورية، بما في ذلك استخدام القوة، للرد على انتهاكات الاتفاق، من شأنه أن يساعد في ردع عدم الامتثال، مع أن مثل هذا البيان لن يكون جزءًا من الاتفاق.

إن تلبية رغبة إيران في الاحتفاظ ببعض التخصيب لن يضمن التوصل إلى اتفاق.

من المؤكد أن أي اتفاق جديد سيتضمن حوافز لإيران، بما في ذلك تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية التي لا تزال مجمدة في حسابات خارجية. وستقابل الالتزامات القابلة للإلغاء من طهران حوافز قابلة للإلغاء تقدمها واشنطن. ويمكن تخفيف العقوبات الأمريكية الأساسية التي تمنع الأشخاص والكيانات الأمريكية من التعامل مع إيران، وذلك لإتاحة الفرص للتجار والمستثمرين الأمريكيين لنظرائهم الأوروبيين والآسيويين، ولمنح الولايات المتحدة حصة أكبر في استمرار الاتفاق، مما سيُبدّد قلقًا إيرانيًا رئيسيًا من احتمال انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية من الاتفاق.

لكي يكون الاتفاق مستدامًا، ولمعالجة المخاوف بشأن “أحكام الانقضاء” في خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي أنهت قيودًا رئيسية بعد عشر سنوات وخمس عشرة سنة، سيكون دائمًا أو طويل الأمد، مثل 25 إلى 30 عامًا. ويمكن التفاوض عليه ثنائيًا بين واشنطن وطهران، بالتشاور مع أطراف ثالثة معنية، وربما يُصبح رسميًا لاحقًا كاتفاقية متعددة الأطراف. ولجعله ملزمًا قانونًا وتعزيز ديمومته، ينبغي أن يتخذ الاتفاق شكل معاهدة، تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، مقارنةً بخطة العمل الشاملة المشتركة التي كانت التزامًا سياسيًا غير ملزم ولا تتطلب موافقة الكونغرس.

بالتوازي مع الاتفاق النووي، ينبغي أن يكون هناك التزامٌ منفصل من إيران بعدم نقل الصواريخ الباليستية والصواريخ والطائرات المسيرة والمعدات والتقنيات المرتبطة بها إلى كيانات غير حكومية، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وسيعزز هذا الالتزام الإيراني التعاون المستمر بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين لمنع الدعم الإيراني لشبكة وكلائها، باستخدام أدوات مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وعمليات الاعتراض، والعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والعمليات السرية، والهجمات العسكرية الموجهة.

محادثات صعبة في المستقبل
على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات استخباراتية استثنائية، إلا أن أجهزتهما الاستخبارية وحدها لا تكفي لضمان عدم سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. وسيتطلب الأمر أجهزة استخبارات وطنية، بالإضافة إلى وجودٍ جديدٍ ومُمَكَّنٍ من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل البلاد، يتمتع بحقوق وصولٍ مُعزَّزة وتقنيات مراقبة متطورة، لضمان هذه الثقة. ولا يُمكن ضمان اضطلاع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الدور إلا من خلال اتفاقٍ جديدٍ يتم التفاوض عليه مع إيران.

إن تقييد برنامج التخصيب الإيراني في اتفاق جديد قد يزيد بشكل كبير من الوقت الذي ستستغرقه إيران للخروج من الاتفاق، إذا قررت ذلك، وإنتاج ما يكفي من اليورانيوم الصالح للاستخدام في صنع الأسلحة النووية. عشية حرب الـ 12 يومًا، كان وقت خروج إيران عن الاتفاق حوالي أسبوع. ستؤدي القيود على غرار ما هو مقترح هنا إلى تمديد هذا الجدول الزمني لعدة أشهر. إلى جانب تعزيز تدابير المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية القادرة على الكشف الفوري عن أي محاولة لخروج عن الاتفاق، سيوفر هذا متسعًا من الوقت للولايات المتحدة أو غيرها للتدخل، بما في ذلك باستخدام القوة العسكرية، لإحباط مثل هذه الخطوة. علاوة على ذلك، فإن الهجمات العسكرية الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ستعزز بشكل كبير مصداقية وقيمة الردع للتهديد بالتدخل لوقف الجهود الإيرانية للتسابق نحو امتلاك قنبلة.

احتجاجًا على الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية، طهران، يونيو/حزيران 2025
احتجاجًا على الهجوم الأمريكي على المواقع النووية الإيرانية، طهران، يونيو/حزيران 2025 مجيد عسكري بور / وكالة أنباء غرب آسيا / رويترز
من شأن اتفاق جديد أن يخدم مصالح الأمن الإقليمي للولايات المتحدة، وكذلك مصالح شركاء الولايات المتحدة، بشكل أفضل بكثير من استراتيجية جز العشب. فبدلاً من بيئة إقليمية مواجهة تتسم بهجمات دورية ضد إيران وردّ إيراني، يمكن لاتفاق جديد أن يحقق استقرارًا وقدرة أكبر على التنبؤ. ستحتاج الولايات المتحدة إلى مواصلة انخراطها في الشؤون الإقليمية، سواء لمساعدة شركائها في الدفاع ضد التهديدات المتجددة من إيران ووكلائها، أو للضغط على إيران للامتثال الصارم للاتفاق. لكن مخاطر انخراط الولايات المتحدة في صراع مسلح في الشرق الأوسط ستنخفض بشكل ملحوظ. علاوة على ذلك، سيرحب شركاء الولايات المتحدة في الخليج بالاتفاق والفرص التي يمكن أن يوفرها لتوثيق العلاقات الاقتصادية والسياسية الإقليمية. كما سيؤكد الاتفاق التزام إيران بمعاهدة حظر الانتشار النووي وتخليها عن الأسلحة النووية، وهو ما من شأنه، إلى جانب إجراءات التحقق لجعل هذه التعهدات ذات مصداقية، أن يساعد في تخفيف ضغوط الانتشار الإقليمي.

لكن ثمة عقبات كبيرة أمام التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. سيتعين على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التراجع عن قراره المتعلق بوقف التخصيب تمامًا، ثم التغلب على المعارضة الداخلية، بما في ذلك اتهام قاعدته الانتخابية، وكذلك المشككين الرئيسيين في المفاوضات مع إيران، بأن الاتفاق الجديد لا يعدو كونه إعادة تدوير لخطة العمل الشاملة المشتركة. كما سيتعين عليه تحمل انتقادات لاذعة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المؤيد القوي لتفادي المحادثات مع إيران، والتعامل مع أي أعمال عسكرية أحادية الجانب محتملة من جانب إسرائيل، والتي قد تُعقّد المفاوضات أو تُعرقلها، سواءً أكانت مقصودة أم لا.

هناك عقبة محتملة أخرى تتمثل في “العودة السريعة”، وهو بند من بنود قرار مجلس الأمن رقم 2231، الذي أيد خطة العمل الشاملة المشتركة. يُمكّن هذا البند المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة من الرد على عدم امتثال مشارك آخر بإعادة فرض جميع عقوبات مجلس الأمن السابقة ضد إيران التي تم تعليقها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.

في 28 أغسطس، بدأت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة (المعروفة باسم E3) عملية العودة السريعة التي تستغرق 30 يومًا. إذا وافقت إيران في غضون ثلاثين يومًا على خطوات تُظهر، من وجهة نظر E3، استعداد طهران للتوصل إلى حل دبلوماسي – مثل استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية أو استئناف أنشطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران – فلن يتم تنفيذ العودة السريعة. في هذه الحالة، من المحتمل تمديد القرار 2231 (والحق في استدعاء العودة السريعة) إلى ما بعد تاريخ انتهاء صلاحيته في 18 أكتوبر.

ولكن إذا لم توافق إيران على مثل هذه الخطوات، فسيتم إعادة فرض العقوبات. حذّر بعض المشرّعين الإيرانيين من أن تطبيق آلية إعادة فرض العقوبات السريعة قد يؤدي إلى انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو إجراء قد يعرقل المفاوضات إلى أجل غير مسمى.

وبالتالي، فإن أي احتمالات لمفاوضات مثمرة قد تعتمد على نتائج المحادثات بين إيران ودول مجموعة E3 خلال الشهر المقبل.

بالطبع، سيكون لإيران رأيٌ في إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد. نظريًا، ينبغي للجمهورية الإسلامية أن ترحب بقبول الولايات المتحدة لمطلبها التفاوضي الرئيسي: السماح لها بامتلاك برنامج نووي مدني يشمل التخصيب.

لكن تلبية رغبة إيران في الاحتفاظ ببعض التخصيب لن يضمن إمكانية التوصل إلى اتفاق. قد يرفض المفاوضون الإيرانيون قيودًا على التخصيب تحرمهم، ربما بشكل دائم، من قدرةٍ استراتيجية على عتبة الأسلحة النووية.

ومن المرجح أيضًا أن يقاوموا ترتيبات المراقبة الأوسع نطاقًا والأكثر تدخلًا مما قبلوه بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة. ستكون مفاوضاتٍ صعبة للغاية.

قد لا يكون من الممكن التفاوض على اتفاق مع القيود الصارمة على التخصيب وتدابير المراقبة والتفتيش والإنفاذ الصارمة اللازمة لقطع الطريق بشكل موثوق على مسارات إيران للحصول على أسلحة نووية أو استئناف وضعها كدولة على عتبة الأسلحة النووية.

في هذه الحالة، لن يكون أمام إدارة ترامب خيار سوى مغادرة طاولة المفاوضات واللجوء إلى الأدوات العسكرية والاقتصادية وغيرها من الأدوات القسرية للقضاء على التهديد النووي الإيراني.

ولكن إذا اضطرت واشنطن إلى اتباع هذه الاستراتيجية، فسيكون لها قيمة هائلة في كسب الدعم المحلي والدولي اللازم لاستدامتها لتكون قادرة على إظهار أنها بذلت جهدًا مرنًا وصادقًا لإيجاد حل دبلوماسي أولاً – وقد رفضها نظام إيراني مصمم على الحفاظ على خياره للأسلحة النووية.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...