من المعروف أن الإنسان يتكون من عنصرين : عنصر مادي ينمو ويتحرك ، وآخر مجرد من المادة له تلك المظاهر الخاصة من تفكير وعلم وإرادة وحب وبغض وخلق كريم أو ذميم ، ولكل من هذين العنصرين رغائب يتوق صاحبها الى تحصيلها في أقصى حدودها ، فللجسم رغائب من الطعام والشراب والجنس وغير ذلك ، وللروح مدارج في الترقي يمكن أن تنال منها حظوظاً متفاوتة حسب سعيها ومجاهدتها .
فإذا اتصلت الروح بالبدن فإن في هذا الاتصال ألوان من البلاء ، فيصبح كثير من الناس عبيداً لشهواتهم ، وتنحط إنسانيتهم الى درجة الحيوانية المحضة ولا يرغبون من الحياة إلا ألوان الطعام والشراب وسائر أنواع الشهوات ، بل ربما انحدروا الى ما وراء الحيوانية المعتادة بما وُهبوا من التفكير .
لهذا جاءت الأديان ومنها الدين الإسلامي وما ورد في القرآن الكريم من تشريع قوامه الإيمان بالله والتحقق بمعرفته معرفة يقينية لا يأتيها الشك ، تسمو بالمرء وتجعله فرداً صالحاً بالمجتمع الإنساني وتنقذه من الأزمات النفسانية التي تجتاحه من جراء جهله سر الكون ، لقد دعا القرآن الإنسان أن يجاهد نفسه ويروضها على فعل الخير ، وأن يصفي قلبه وينقيه من أدران الشهوة والهوى والبغض والحسد سائر أمراضه لتجتمع النفوس على المحبة والإخاء والسلام .
وفي الواقع فإن عالم اليوم يحتاج الى ثقافة روحية ، ذلك العالم المادي الذي يعتقد البعض أن تحت تأثير تقدمه المادي المطرد قد بلغ مرتبة الكمال … ولكن الرقي المادي الذي وصلنا إليه في هذا القرن لم يؤت ثمرته الفعلية من إسعاد الناس بل على العكس جلب التعاسة والخراب الناجمين عن الحروب المتلاحقة ، فلا زال القوي يفترس الضعيف ، ولا زال الاستعمار ينشب مخالبه في صدور الدول الضعيفة ، ولا زالت الأجناس تكره بعضها البعض ، وهذا كله يدلنا على إفلاس الحضارة المادية الخالية من القيم الروحية .
ولهذا نرى طاغور الشاعر الهندي ينتقد هذه المدنية الحديثة التي قامت على العلم والمادة دون أن تهتم بالقيم الروحية فيقول هذه الكلمات التي أملاها على أحد تلامذته قبل وفاته بساعات ، : ” .. إن الإصلاح العلمي والاجتماعي والاقتصادي الذي يهذب من أحكام الطبيعة وقد يلطفها ويصقلها ولكنه لن يجعل من الانسان إلا حيواناً ممتازاً ، ولن يرسم للفرد كوحدة مستقلة سبيلاً واضحاً الى الكمال الروحي المنشود ، إذ الكمال الروحي لا يتقيد في عرفي بالتقدم المادي وإنما هو جوهر أبدي كامن في نفوسنا سواء أكنا متأخرين في الرقي المادي أم متقدمين ، والواجب أن نبحث في أرواحنا ما استطعنا عن هذا الجوهر الأبدي وعن قواه المشتركة بيننا وبين الآخرين ، وعلى قدر إحساسنا بهذه القوى يكون اتجاهنا نحو الكمال .
ولقد أدرك الكثيرون من قبلنا هذه الحقيقة فكانوا أمثلة حية من الكمال الروحي دون أن تكون لهم حضارة كحضارتنا وعلم كعلومنا ورقي مادي كرقينا لقد تعهدوا بالملاحظة والتربية لقواهم الأبدية فازدهرت وأتت أبرك الثمرات .. ولكن ما تلك القوى الأبدية ؟ .. إنها الطيبة والمحبة والإيثار والتضحية وكل ما يجعلنا نحس أننا في غير حاجة الى الأنظمة والقوانين كي تقر السلام في قلوبنا والعدل والإخاء بيننا وبين الناس ، وفي الواقع نجد أن حضارتنا تعتمد على إصلاح الأنظمة والقوانين لترقيتنا دون أن يقرن هذا لإصلاح بالدعوة الحارة البعيدة عن التعصب لمذهب أو عقيدة والى تلك القوى الروحية كمجموعة عناصر مشتركة أبدية يجب الانتفاع بها كما ننتفع بالفحم والحديد والبخار والماء “.
إن المبادئ الروحية تستلزم امتناع النفس عن كثير من رغبات الجسد وملذاته في سبيل الخير العام ، ولكن النفس المترفة تحجم عن ذلك لأن الترف أضعف إرادتها وجعلها شديدة الحرص على الاستمرار فيما هي عليه فلا تتطلع الى ارتياد السبل القويمة التي ترتقي بالأمة وتدفعها نحو التقدم والازدهار ، وقد وصف الله المترفين بالجمود وتقليد الآباء ، فلا يلتفتون الى أية دعوة جديدة إصلاحية … فقال الله مخاطبا نبيه في القرآن الكريم في سورة الزخرف : ” وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة (طريقة) وإنا على آثارهم مقتدون ، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ” .
ويرى مونتسكيو الكاتب السياسي الفرنسي الشهير : ” إن الترف مجلبة لفساد الجمهورية بنوعيها ، فهو في الديمقراطية يصرف الناس عن حب الوطن ، وفي الأرستقراطية يجعل النبلاء يجرون وراء أطماعهم الشخصية فيعم البلاء … ”
لقد اكتشف العلماء أن الهم والقلق والحزن والكبت لها تأثير على الوظائف العضوية للإنسان ويقول الدكتور (بول أرنست أدولف ) لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لا بد أن يشمل الروح والجسد معاً في وقت واحد ولقد ايقنت أن واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية الى جانب إيماني بالله وعلمي به ، ولقد أقمت كلتا الحالتين على أساسٍ قويم ولقد وجدت بعد تدبر عميق أن معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة .


