الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
24°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نصيحة إلى دولة لبنان الشقيق

من القلب، ومن موقع الأخوة الصادقة التي لا تشوبها المزايدات ولا الحسابات الضيقة، أوجه كلمتي إلى لبنان الدولة والشعب، إلى من كانوا دوماً في وجدان السوريين بيتاً ثانياً ومتنفساً حراً في وجه القمع والظلم. إنّ ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وما بين دمشق وبيروت تاريخ من التداخل والدماء والذاكرة المشتركة، لا يجوز أن تُسمّمها سياسات الأنظمة ولا أن تفرّقها الأزمات.

لقد آن الأوان أن تُغلقوا جرحاً نازفاً طال أمده، جرح المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، أولئك الذين ما زالوا يدفعون ثمن لعبة سياسية قذرة لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل. إنّ استمرار هذا الملف مفتوحاً ليس إلا استمراراً لجريمة مزدوجة: جريمة بحق الإنسان وجريمة بحق العلاقة الأخوية بين بلدين جارين كتب عليهما القدر أن يتنفّسا هواءً واحداً ويتقاسما الوجع والأمل.

الجميع في لبنان يعلم أن هذه الاعتقالات لم تكن يوماً مسألة أمنية بحتة، بل هي امتداد لمرحلة سوداء من النفوذ السوري في لبنان، حين حوّل نظام بشار الأسد الأجهزة الأمنية إلى أدوات إذلال وتصفية حسابات سياسية. وما أشبه اليوم بالأمس حين نجد بعض القوى تحاول توظيف هذا الملف مجدداً، لا لحماية لبنان ولا لصون سيادته، بل لاستثمار المعاناة في بازار الطائفية والمزايدات الانتخابية.

أقولها بصراحة، ومن موقع العروبة الصادقة لا المواربة: إنّ النظام الذي ورّطكم في دمائكم قبل أن يورّطنا في دمائنا هو نفسه النظام الذي دقّ إسفين الطائفية في لبنان يوم كان حافظ الأسد يوزّع الولاءات بين الميليشيات ويغذّي الانقسام ليبقى المتحكّم في مفاتيح الحرب والسلم. وإنّ ابنه بشار لم يكن أقل إجراماً، فقد واصل النهج ذاته، بل أمعن في تحويل السوريين واللبنانيين معاً إلى رهائن لسلطة الخوف والفساد.

من حقّ لبنان أن يحمي حدوده، لكن من واجبه أيضاً أن يحمي كرامته، والكرامة لا تُصان حين يُحتجز الأبرياء بلا محاكمة أو حين يُترك المعتقل السوري عرضة للابتزاز أو النسيان. إنّ إغلاق هذا الملف بشفافية وإنسانية هو الموقف الذي يليق بلبنان الرسالة، لبنان الثقافة والحرية، لا لبنان العنصرية والمقايضات.

افتحوا السجون للعدالة، لا للانتقام. واجعلوا من هذا الملف فرصة لتصحيح مسار العلاقة بين الشعبين، لا وقوداً لتأجيج الغرائز. ولتكن الخطوة من بيروت، لا استجابة لضغوط الخارج، بل وفاءً لما في ضمير لبنان من قيم وحرص على العدل.

إنّ السوريين الذين عاشوا في لبنان وعملوا فيه وبنوا في أرضه البيوت والمشاريع، ليسوا غرباء ولا خصوماً، بل إخوة شاءت المأساة أن تُفرّق بينهم وبين أهلهم. فلتكن بادرة لبنان اليوم عنواناً للمروءة، لا استرضاءً لأحد، بل إكراماً لتاريخه هو.

أغلقوا هذا الجرح، أعيدوا الثقة إلى مكانها، وامنعوا كل من يريد أن يتاجر بدموع الأمهات وصبر المظلومين. إنّ الأخ لا يطعن أخاه، ولبنان الذي نعرفه لا يمكن أن يرضى أن يبقى بين جدرانه مظلومٌ يستغيث ولا مجيب .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...