الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نصيحة إلى دولة لبنان الشقيق

من القلب، ومن موقع الأخوة الصادقة التي لا تشوبها المزايدات ولا الحسابات الضيقة، أوجه كلمتي إلى لبنان الدولة والشعب، إلى من كانوا دوماً في وجدان السوريين بيتاً ثانياً ومتنفساً حراً في وجه القمع والظلم. إنّ ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وما بين دمشق وبيروت تاريخ من التداخل والدماء والذاكرة المشتركة، لا يجوز أن تُسمّمها سياسات الأنظمة ولا أن تفرّقها الأزمات.

لقد آن الأوان أن تُغلقوا جرحاً نازفاً طال أمده، جرح المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، أولئك الذين ما زالوا يدفعون ثمن لعبة سياسية قذرة لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل. إنّ استمرار هذا الملف مفتوحاً ليس إلا استمراراً لجريمة مزدوجة: جريمة بحق الإنسان وجريمة بحق العلاقة الأخوية بين بلدين جارين كتب عليهما القدر أن يتنفّسا هواءً واحداً ويتقاسما الوجع والأمل.

الجميع في لبنان يعلم أن هذه الاعتقالات لم تكن يوماً مسألة أمنية بحتة، بل هي امتداد لمرحلة سوداء من النفوذ السوري في لبنان، حين حوّل نظام بشار الأسد الأجهزة الأمنية إلى أدوات إذلال وتصفية حسابات سياسية. وما أشبه اليوم بالأمس حين نجد بعض القوى تحاول توظيف هذا الملف مجدداً، لا لحماية لبنان ولا لصون سيادته، بل لاستثمار المعاناة في بازار الطائفية والمزايدات الانتخابية.

أقولها بصراحة، ومن موقع العروبة الصادقة لا المواربة: إنّ النظام الذي ورّطكم في دمائكم قبل أن يورّطنا في دمائنا هو نفسه النظام الذي دقّ إسفين الطائفية في لبنان يوم كان حافظ الأسد يوزّع الولاءات بين الميليشيات ويغذّي الانقسام ليبقى المتحكّم في مفاتيح الحرب والسلم. وإنّ ابنه بشار لم يكن أقل إجراماً، فقد واصل النهج ذاته، بل أمعن في تحويل السوريين واللبنانيين معاً إلى رهائن لسلطة الخوف والفساد.

من حقّ لبنان أن يحمي حدوده، لكن من واجبه أيضاً أن يحمي كرامته، والكرامة لا تُصان حين يُحتجز الأبرياء بلا محاكمة أو حين يُترك المعتقل السوري عرضة للابتزاز أو النسيان. إنّ إغلاق هذا الملف بشفافية وإنسانية هو الموقف الذي يليق بلبنان الرسالة، لبنان الثقافة والحرية، لا لبنان العنصرية والمقايضات.

افتحوا السجون للعدالة، لا للانتقام. واجعلوا من هذا الملف فرصة لتصحيح مسار العلاقة بين الشعبين، لا وقوداً لتأجيج الغرائز. ولتكن الخطوة من بيروت، لا استجابة لضغوط الخارج، بل وفاءً لما في ضمير لبنان من قيم وحرص على العدل.

إنّ السوريين الذين عاشوا في لبنان وعملوا فيه وبنوا في أرضه البيوت والمشاريع، ليسوا غرباء ولا خصوماً، بل إخوة شاءت المأساة أن تُفرّق بينهم وبين أهلهم. فلتكن بادرة لبنان اليوم عنواناً للمروءة، لا استرضاءً لأحد، بل إكراماً لتاريخه هو.

أغلقوا هذا الجرح، أعيدوا الثقة إلى مكانها، وامنعوا كل من يريد أن يتاجر بدموع الأمهات وصبر المظلومين. إنّ الأخ لا يطعن أخاه، ولبنان الذي نعرفه لا يمكن أن يرضى أن يبقى بين جدرانه مظلومٌ يستغيث ولا مجيب .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...