كانت علاقة أنور السادات بالقصر الملكي معروفة للكثيرين ، وقد أدت الى حادثة ملفتة للنظر وقعت بعد الإفراج عنه ، ففي أحد الأيام من نهاية سنة 1948 سعى الشيخ حسن البنا الى لقاء أنور السادات الذي كان يعمل في المقاولات لكي يطلب منه ترتيب لقاء بينه وبين الملك فاروق … ويروي أنور السادات تفاصيل هذه الحادثة في كتابه صفحات مجهولة ما يلي : ” تبسط معي حسن البنا بصورة لم تسبق له من قبل ، فرغم كل الصلات التي قامت بيني وبينه كنت أشعر دائماً أنه يقول شيئاً ويخفي في نقسه أشياء ولكنه في تلك المرة تبسط كثيراً وشرح كثيراً وأفاض كثيراً ثم كلفني بأمر .
شرح لي حسن البنا متاعبه التي تأتيه من ناحيتين : ناحية الملك ، وناحية الأجانب .. وقال لي أن الملك بدأ يشعر شعوراً قوياً بخطورة دعوة الإخوان لما كان يسمعه من أن دعوتهم تقوم على أن يكون المُلك بالمبايعة لا بالوراثة ، وقال لي أن الملك يدبر أمره ليبطش بهذه الحركة ، وأنه يخشى أن يضرب الملك ضربته والحركة لم تبلغ بعد أوج قوتها ، وكانت هذه أول مرة يفصح فيها حسن البنا عن شعوره بعدم وصول دعوته الى ذروة القوة والمنعة ، فقد كان دائماً يعطي سامعه صورة للجماعة أشبه بصورة العملاق الذي لا يقهر ولا يخشى عليه .
واستطرد بعد ذلك الى ذكر طرف آخر من متاعبه ، وكان هذا الطرف هو موقف الأجانب من الدعوة ، فقد بدأ يشعر بأن الأجانب أيضاً يرهبون دعوته ، ويعتقدون أنها إذ تقوم على وجوب الأخذ بشريعة الإسلام ، ستتعرض حتى أعمالهم وأموالهم وحرياتهم الممنوحة لهم بمقتضى القانون السائد والدستور ، وقال لي أن هذه النظرة الموحدة لدعوته من جانب الملك ومن جانب الأجانب تجعل الدعوة في خطر جسيم ، فما أيسر أن تتحول هذه النظرة الموحدة الى تحالف عملي للقضاء على الدعوة وعلى الجماعة التي تدعو إليها ، ويومئذ لا يعرف من أين تصوّب إليه الضربات .
استمعت إليه منصتاً ومناقشاً ثم رأيته يطرق فجأةً …ليستجمع كلمات معينة يريد أن يبدأ بها حديثاً جديداً وبدأ حديثه الجديد ، فقال لي أنه يريد أن يضع حداً لهذه المتاعب ، وأنه يعتقد أن الأجانب يمكن أن يطمئنوا الى الدعوة لو اطمأن إليها الملك ، ونظر في عيني طويلاً وهو يقول : ” أنا أستطيع أن أكسب طمأنة الملك لو تقابلت معه ” .
وكان وجهه ينبئ فعلاً عن الثقة الكبيرة التي تملأ نفسه بقدرته على كسب طمأنينة الملك ، وظهرت هذه الثقة أكثر وأكثر وهو يصف لي كيف يستطيع أن يزيل من نفس الملك جميع الأوهام والشكوك لو تيسرت له مقابلته مرة واحدة ، ثم أوضح لي أنه لا يريد أن يبدأ مع الملك سياسة وفاق أو تعاون ، ولكنه يريد أن يشيع جواً من الطمأنينة في نفس الملك يجنب فيه سفينة الإخوان أية عقبات تعترض الطريق ، وقصد البنا الى هدفه بعد ذلك مباشرة ، فقال لي :” أنت تعرف يوسف رشاد ؟” فقلت له نعم أعرفه ، وبيني وبينه صداقة كبيرة ومودة ” .
فقال : ” يوسف اليوم ذو حظوة ، فلو استطعت أن تشرح له هدفي وأن تفهمه أني لست خطراً على الملك ولا أريد أن أكون خطراً ، لأمكنه إقناع الملك بمقابلتي ” .. وأجبته أنا “أحاول ” ! وذهبت الى يوسف رشاد وأبلغته رسالة حسن البنا فناقشني فيها ثم وافق أن يلعب الدور ، وعندما رأيت يوسف رشاد بعد ذلك قال لي :” لقد فاتحت الملك في هذا الأمر في محادثة تلفونية بيني وبينه ، وإذا به يقطع حديثي ويوجهه وجهة أخرى .
وعاودت الإلحاح على يوسف رشاد بعد ذلك ، وفي هذه المرة استطاع يوسف أن يحصل على إذن من الملك بأن يقابل هو أولاً حسن البنا ويستمع إليه ، وينقل حديثه الى الملك ليرى إن كان يقابله ، وكدنا نحدد موعد المقابلة بين حسن البنا ويوسف رشاد فدق جرس التلفون وكان الملك هو المتكلم ، واستمع يوسف لحظات قصيرة ثم قال حاضر ، وانتهت المكالمة ونظر إلي يوسف وقال لي :” إن الملك يقول : الغي كل ما قلته بشأن حسن البنا ” .
ويئست أنا من المحاولة وأبلغت حسن البنا يأسي ” وهكذا لم تفلح وساطة أنور السادات في ترتيب لقاء بين حسن البنا وبين الملك ، وظلت شكوك القصر تزداد وتزداد في الشيخ حسن البنا حتى كان اغتياله بعد أشهر قليلة من هذه الوساطة ، وقد أثبت تحقيق رسمي جرى بعد الثورة أن اغتيال حسن البنا كان بعلم القصر وبأمر صادر من رئيس الوزراء في ذلك الوقت الى اللواء محمد وصفي قائد حرس الوزارات وكانت التهمة من بين التهم التي وجهت بعد الثورة الى إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء .


