الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
9°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ميشال شيحا أبو الدستور اللبناني

أيّها الحضور الكريم،

قبل أن نغوص في التاريخ والدستور، إسمحوا لي أن أبدأ بتحية من القلب إلى الأرض التي تستضيفنا اليوم… إلى جزين، البلدة التي لا تُختصر بجمالها الطبيعي، بل تتجلّى في عمقها الحضاري، وفي نبضها الوطني، وفي أهلها الذين يجمعون بين الأصالة والرقي.

جزين ليست مجرد مكان، إنّها ذاكرة لبنان حين يبتسم، وحين يصمد، وحين يحلم.
من شلالاتها التي تنساب كقصيدة، إلى صخورها التي تشهد على قرون من الكرامة، ومن كنائسها ومساجدها التي تتجاورُ بمحبة، إلى بلديتها التي تنظم هذا اللقاء بكل عناية واحتراف… جزين تقول لنا إنّ لبنان لا يزال قادرًا على أن يجمع، لا أن يُفرّق.

فشكرًا لبلدية جزين ولرئيسها ولأعضاء المجلس البلدي، وهي لا تكتفي بإدارة الشأن العام، بل ترعى الفكر والثقافة، وتفتح أبوابها للحوارات العميقة، وللأصوات التي تؤمن بأنّ لبنان لا يُبنى إلا بالوعي، ولا يُحمى إلا بالدستور، وتحيّة محبّة إلى أهلها الطيّبين والأصيلين.

وبعد، وفي زمنٍ كانت فيه الأوطان تُرسَم بالحدود، رسم شيحا وطنًا بالمعنى، لا بالمتر. وفي لحظةٍ كانت فيها السياسة تُبنى على الغلبة، بناها هو على التسوية، وعلى التعددية كقيمة لا كعقبة.

وُلد ميشال شيحا عام 1891 في بلدة بمكين من قضاء عاليه في جبل لبنان، وعائلته تنحدر من اصول كلدانية عراقية . انضم إلى أخواله آل فرعون في بيروت فعمل معهم في بنك فرعون وشيحا الذي أسَّسه والده أنطوان في العا م 1876. درس في فرنسا، وتشرّب الفكر الليبرالي الأوروبي، لكنه لم ينفصل عن جذوره الشرقية.

العام 1925 انتُخب نائباً عن مقعد بيروت للأقليات بعد فوزه على أيوب تابت. كان ميشال شيحا عضواً في لجنة مؤلفة من 13 عضواً وهي لجنة اعداد القانون الأساسي التي كلّفت لاحقاً إعداد مسودة الدستور اللبناني. العام 1937 اشترى جريدة «لوجور» مع آخرين واشتغل بالصحافة. العام 1940 ساهم في إنشاء بورصة بيروت وأسّس صحيفة باللغة الإنكليزية بعنوان «ايسترن تايمز».

كان مصرفيًا بارعًا، وصحافيًا لامعًا ومفكّرًا عميقًا كتب في السياسة والهوية والاقتصاد، بلغةٍ تكاد تكون شعرًا.

لم يكن رجلًا تقليديًا، بل كان رجلًا متعدد الأبعاد: اقتصادي بفكر فلسفي، ومفكرٌ بلغة شاعر، وصحافيٌ برؤية مؤسس.

ولكنّ الأهمَّ ما قاله عنه شارل حلو بأنّ  “ميشال شيحا هو الاسم الآخر للبنان.

العام 1926، اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني لصياغة أول دستور للجمهورية الناشئة. كان ميشال شيحا سكرتير اللجنة المكلفة بصياغة النص، لكنه كان أكثر من مجرد كاتب: كان روح النص.

وفي خضمّ هذا التنازع بين سلطة الانتداب والمجلس التمثيلي، لم يكن ميشال شيحا مجرد تقني دستوري، بل كان أشبه بعازف ماهر يحاول ضبط نغمة الولادة اللبنانية على أوتار متعددة: واقع الانتداب الصعب، الطموح إلى الاستقلال والسيادة، التوازن بين الطوائف، الطموح السيادي.

المادة 1- لبنان الكبير دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ اما حدوده فهي المعترف له بها رسميا من قبل حكومة الجمهورية الفرنسوية المنتدبة ومن لدى جمعية الامم وهي التي تحده حاليا.

أيها الحضور الكريم،

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، حين كان الكيان الوليد يتلمّس طريقه بين رعاية دولية وطموح وطني، برز سؤال جوهري: من يملك شرعية التأسيس؟ هل هي سلطة الانتداب الفرنسي، المفوّضة دوليًا؟ أم هو المجلس التمثيلي اللبناني، الذي بدأ يظهر كصوتٍ داخلي يطالب بالدستور والسيادة؟

لقد نصّ صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم عام 1922، في مادّته الأولى على أن ” تضع الدولة المنتدبة نظاما اساسيا لسوريا ولبنان في خلال ثلاث سنوات تبتدىء من تاريخ الشروع في تطبيق هذا الانتداب ويعد هذا النظام الاساسي بالاتفاق مع السلطات الوطنية”.

لكن ما معنى “الاتفاق” حين تكون اليد العليا للمنتدِب، والمجلس التمثيلي لا يزال في طور التكوين؟
فرنسا رأت في ذلك تفويضًا مرنًا، يتيح لها رسم ملامح الكيان اللبناني وفق رؤيتها. أما اللبنانيون، فقرأوا فيه وعدًا بالاعتراف، وبداية لمسار سيادي.

في هذا السياق، يبرز اسم ميشال شيحا، لا كمجرد واضع نصوص، بل كمفكّر استراتيجي، أدرك أن الدستور ليس مجرد بنود قانونية، بل هو توازن دقيق بين الداخل والخارج، بين الواقع والطموح، بين الممكن والمأمول.

كتب شيحا يقول: إن الدستور ليس مجرد نص قانوني، بل هو تعبير عن توازنات دقيقة بين الداخل والخارج، بين الواقع والطموح.”

لقد لعب المجلس التمثيلي، الذي أُنشئ عام 1922، دورًا حيويًا في الدفع نحو صياغة دستور يُعبّر عن الهوية اللبنانية، رغم القيود المفروضة عليه.

وكان دستور 1926 ثمرة هذا التفاعل المعقّد: نصٌّ وُلد تحت عين الانتداب، لكنّه حمل في طيّاته بذور السيادة، من خلال إقرار النظام الجمهوري، وفصل السلطات، والاعتراف بالتعددية الطائفية كواقع ينبغي تنظيمه لا إنكاره.

وهنا، تتجلّى عبقرية شيحا: لقد جعل من “التعاون” الوارد في صك الانتداب، فرصة لتثبيت لبنانية الدستور، لا لتكريس فرنسيته.

فهو لم يكتب دستورًا فحسب، بل كتب فصلًا تأسيسيًا في جدلية الشرعية اللبنانية، وفتح الباب أمام وطنٍ يحاول أن يولد من رحم الانتداب، بدون أن يُبتلع فيه.

أيها السادة،

لقد رأى ميشال شيحا أنّ لبنان لا يمكن أن يُدار بمنطق الأكثرية، بل بمنطق التوافق، لأنّ تركيبته الطائفية ليست عيبًا، بل خصوصية تستدعي نمطًا خاصًا من الحكم.

ميشال شيحا لم يرَ لبنان كجغرافيا، بل كفكرة.

رأى فيه جسرًا بين الشرق والغرب، ملتقى للحضارات، ومختبرًا للتعددية. آمن بالحرية الفردية، وبالاقتصاد الحر، وبأن لبنان يجب أن يكون منفتحًا على العالم، لا منغلقًا على ذاته.

كتب يقول:

لبنان بلد صغير، لكنه كبير بفكرته. لا يُقاس بحجمه، بل برسالته.”

ورأى أن التعددية الطائفية ليست لعنة، بل نعمة، شرط أن تُدار بالحكمة، لا بالهيمنة.

كان يكتب عن الهوية، عن معنى الوطن، عن العلاقة بين المواطن والدولة، وعن الاقتصاد كأداة للحرية، لا للاستغلال.

لم يكن يكتب ليُرضي، بل ليُفكّر. وكانت مقالاته تُقرأ كأنها تأملات في معنى لبنان، لا مجرد تعليقات على أحداث.

 

* حول لبنان كوطن نهائي

“لبنان وطنٌ نهائي لجميع أبنائه، واحدٌ أرضًا وشعبًا ومؤسسات.”
من نصوصه التأسيسية في صياغة الدستور اللبناني

* حول موقع لبنان في العالم

“لبنان بلد صغير، لكنه كبير بفكرته. لا يُقاس بحجمه، بل برسالته.”

·      لبنان التعددي

رأى شيحا أن لبنان ليس دولة طوائف، بل دولة “أقليات متساوية”، وأن التعددية ليست لعنة بل نعمة.

“لبنان هو موطن الحريات، صيغةٌ تشاركية بين أقليات تحترم خصوصياتها وتلتقي حول جوهر واحد.”

*لبنان الجسر

رأى في لبنان جسرًا بين الشرق والغرب، لا تابعًا لهذا ولا لذاك.

“لبنان ليس شرقًا فقط، ولا غربًا فقط، بل هو نقطة التقاء، لا نقطة تصادم.”

·       الحرية والاقتصاد

آمن شيحا بأن الحرية السياسية لا تكتمل إلا بحرية اقتصادية.

“الحرية لا تُفصل عن الاقتصاد، فكل نظام اقتصادي يجب أن يكون في خدمة الإنسان، لا العكس.”

 

* حول التعددية الطائفية

“لبنان لا يُحكم إلا بالتسويات وأنصاف الحلول، لأن تركيبته ليست عيبًا بل خصوصية.”

* حول فلسفة الكيان اللبناني

قال ميشال شيحا:

– “لبنان بلاد لأقليات طائفية متشاركة، فلا إمكان لصموده السياسي مدّة طويلة من غير مجلس يكون مكان لقاء وتوحيد للطوائف، ويباشر الإشراف المشترك على حياة الأمة السياسية”.

-“لبنان بلاد لشرائح اجتماعية بيّنة الاختلاف”.

-“لبنان بلاد تحيط بها المطامح وتتفاعل فيها دعاوى دعاة الضمّ، وهي دعاوى آخذة في التقهقر ما لم ترتكب أغلاط بالغة الثقل، وهو، من جهة أخرى، بلاد مهدَّدة بتعدّيات مختلفة من جانب الباحثين عن أراضي ميعاد”.

-“إننا ها هنا أقليات طائفية متشاركة غايتها تحقيق وحدتها والمزيد من التآخي في الحقل السياسي، وأن تقاليدنا ومناهجنا، وهي ما هي، تبقى غريبة عما لمثال الديمقراطية المقدس من مقتضيات مجردة”.

* حول الدستور الحقيقي

“الدستور الحقيقي للبنان ليس ما كُتب، بل ما يُمارس: التسوية، والتفاهم، والعيش المشترك.”

* حول الحرية والاقتصاد

“الحرية لا تُفصل عن الاقتصاد، فكل نظام اقتصادي يجب أن يكون في خدمة الإنسان، لا العكس.”

* حول الهوية اللبنانية

“لبنان ليس شرقًا فقط، ولا غربًا فقط، بل هو نقطة التقاء، لا نقطة تصادم.”

*ميشال شيحا وفلسطين – بين البصيرة والتحذير

حين نقرأ ميشال شيحا، لا نقرأ فقط في شؤون الدستور والكيان اللبناني، بل نلمس أيضًا حسًا عميقًا بالعدالة، وبصيرة سياسية سبقت زمانها. ففي عام 1947، كتب شيحا نصًا بعنوان فلسطين، عبّر فيه عن قلقه العميق من المشروع الصهيوني، لا فقط كاحتلال لأرض، بل كمنظومة عالمية تهدد التوازن الإقليمي والكرامة العربية.

 

قال شيحا، محذرًا:

على الأقطار العربية أن تتذاكر أنها تجابه منظمة يهودية عالمية… لها في الحكومات من النفوذ ما تستطيع، ولديها من الدعاوة وأساليب الدسائس أرهب الفنون.”

لقد رأى في قيام دولة إسرائيل، كما أعلنتها الصهيونية، مشروعًا توسعيًا لا يهدد فلسطين وحدها، بل يطوّق العالم العربي اقتصاديًا وسياسيًا.

وفي عبارته الشهيرة:

إن من يأبى النظر في هذه الأمور ينكر من الأمور أرجحها، بل إنه ينكر اليقين والحق الذي لا مريّة فيه.”

قال: “لقد حان لدول الجامعة العربية أن تنهض لأمرها، فيما إسرائيل تسعى إلى إكراه الدول جمعاء. إنما القدس وطن روحي أمٌّ للنصف من سكان البسيطة، ولن تضحى حاضرةً سياسيّة لإسرائيل ونقطة انطلاق لمطامح استيلاء على أراض جديدة، ولدسيسة ليس منتهى. إنما المخرج واحد، لا اثنان: تدويل القدس تدويلاً فعليّاً، وضمانة تعاقدية للحدود”.

وأكَّد:”خطوةٌ إثر خطوة يطّرد فتح إسرائيل للقدس، وكأنّه تحدّ للحق العام، والأمم المتّحدة، والمسيحية والإسلام معاً…ترى إسرائيل أنّ القدس عاصمة لها، كأنّما القدس مدينة لا يعبأ بها سائر المعمور. وإن كان ثمة في المعمور مدينة يجب تدويلها حقاً، بداعي أخطر الاعتبارات الروحية والسياسية، فهي القدس… فوجود الأمم المتحدة في القدس بوجود قانوني دائم ضرورة مستحكمة على ما يبدو، وشرط أساسي للسلام“.

وهكذا، فإن موقف شيحا من فلسطين لم يكن هامشيًا، بل كان امتدادًا لرؤيته للبنان: وطنٌ صغير، نعم، لكنه لا يمكن أن يكون حياديًا حين تُنتهك الحقوق، أو حين يُهدد التوازن الذي يقوم عليه وجوده.

أيّها السادة، توفي ميشال شيحا عام 1954، لكن فكره لا يزال حيًّا.
تُدرّس مقالاته في الجامعات، وتُستشهد بها في الخطابات، وتُناقش في الندوات.

في زمنٍ تتراجع فيه الثوابت، يبقى فكر شيحا منارةً لمن يريد أن يفهم لبنان، لا أن يحكمه فقط.

في مئوية الدستور، لا نحتفل بنصٍ جامد، بل نحتفل بفكرٍ حيّ، وبحلمٍ لا يزال ينتظر من يحققه.
نحتفل برجلٍ كتب دستورًا، لكنه كتب أيضًا معنى لبنان.

فلنعد إلى فكر ميشال شيحا، لنستلهم منه كيف نبني وطنًا لا يُحكم بالقوة ولا بالاستقواء، بل بالتفاهم، وطنًا لا يُدار بالخوف، بل بالأمل، وطنًا لا يُختزل في طائفة ولا في تحالف طائفتين أو ثلاث، بل يتسع للجميع.

قال ميشال شيحا قديماً، وقال البابا القديس الراحل يوحنا بولس الثاني حديثاً، “لبنان، في جوهره، ليس دولةً فقط… بل رسالة.”

 وهكذا، فإنّ ميشال شيحا لم يكن يكتب دستورًا فحسب، بل كان يرسم ملامح وطنٍ يحاول أن يولد من رحم الانتداب، دون أن يُبتلع فيه. لقد جعل من “الاتفاق” على وضع الدستور الوارد في صك الانتداب، فرصة لتثبيت لبنانية الدستور، لا لتكريس فرنسيّته.

عشتم عاش لبنان والسلام

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...