ليست زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، المقررة بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، مجرد حدث رعوي ضمن جدول أعمال الكنيسة. إنها أول رحلة خارجية له منذ انتخابه، وكأنّ لبنان مقدّر له دائمًا أن يكون البوابة التي يُختبر عندها صدق نوايا العالم، ورغبة القوى الروحية والسياسية في إعطاء هذه الأرض الصغيرة فرصة جديدة للحياة.
تحلّ الزيارة في توقيت دقيق، يشبه الميزان الحساس: إسرائيل تواصل غاراتها على الجنوب، واللبنانيون يعيشون بين التوتر والأمل، يترقّبون أي علامة تعيد إليهم الشعور بأن السلام ليس حلمًا بعيدًا. إنطلاقاً من هذا الواقع، تبدو زيارة البابا أكثر من مجرد مراسم بروتوكولية؛ فهي تحمل إمكانات، وربما مفاوضات غير معلنة، أو على الأقل رسائل إيجابية قد تفتح نافذة صغيرة في جدار الإنسداد السياسي الراهن.
يحفظ اللبنانيون، في ذاكرتهم المشتركة ، قول البابا يوحنا بولس الثاني: “لبنان رسالة”. لكن هذه الرسالة تحتاج إلى سلام حقيقي، لا إلى تهدئات ظرفية تكتم أنفاس الناس كل فترة. لذلك، يعلّق كثيرون آمالهم على أن يقدم البابا الجديد مبادرة قد تحرك المياه الجامدة، أو يمارس ضغطًا غير مباشر على الأطراف الأساسية في النزاع: إسرائيل وحزب الله. فلبنان لم يعد يحتمل أن يكون ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية أو صندوق بريد لها.
بموازاة ذلك، تتصاعد في الداخل اللبناني إشاعات وتوقعات مثيرة للقلق، أبرزها الحديث عن احتمال إعفاء قائد الجيش، رودولف هيكل. أي خطوة من هذا النوع لن تمرّ دون ضجيج، وستُفهم على أنها جزء من إعادة ترتيب موازين القوى، وربما مقدمة لتطورات أكبر. المؤسسة العسكرية تبقى آخر ملاذ يشعر اللبنانيون أنه يحمي ما تبقّى من الدولة، وأي تغيير فيها في ظل هذا التوتر سيضيف طبقة جديدة من المخاوف.
كل هذه العوامل تجعل زيارة الحبر الأعظم أشبه بلحظة تاريخية: بلد على مفترق طرق، مشهد سياسي متأجج، حدود متوترة، اقتصاد ينزف، وناس يعيشون بين رغبة عميقة في البقاء وإحساس مرير بأن العالم تخلّى عنهم.
لكن اللبناني، رغم كل شيء، يلتقط أي بادرة أمل. ينتظر كلمة، إشارة، أو دعوة شجاعة للسلام، أو حتى صمتًا يعبّر عن احترام معاناته الطويلة. ربما لا يحمل البابا مفاتيح الحل، لكن وجوده في هذا التوقيت بالذات يكفي ليذكّر الجميع بأن لبنان ليس مجرد تفصيل في الشرق الأوسط، وأن هذه الأرض التي أنهكتها الحروب تستحق أن تُسمع معاناتها وتُحفظ حياتها.
وفي هذا الإطار، جاء خطاب رئيس الجمهورية جوزف عون عشية عيد الاستقلال ليضيف زاوية جديدة لفهم المشهد القائم. فقد بدا خطابًا متوازنًا وهادئًا، تجنّب الخوض في التفاصيل الدقيقة، كأنّه اختار الإشارة بدل المواجهة، ورسم الملامح العامة للمرحلة من دون التطرّق مباشرة إلى الملفات الحسّاسة. ترك مجالًا واسعًا للتفسير، وربما أراد التأكيد أنّ البلاد تقف على عتبة مرحلة تتطلّب حكمة ورويّة أكثر ممّا تحتاج إلى سجالات إضافية. ومع كثرة الحديث عن تغييرات مرتقبة وتعيينات وأجواء متوتّرة على الحدود، ظهر الخطاب كمسعى لخفض حدّة الإيقاع بدل أن يكون مناسبة لأي رسائل حادّة
هل نحن على أبواب تحوّل؟ هل ستفتح نوافذ في الجدار، أم تُتخذ قرارات حاسمة على صعيد السياسة والأمن؟ الأسابيع القادمة ستكشف الكثير. لكن المؤكّد أن اللبنانيين، رغم تعبهم، ما زالوا يحتفظون بتلك القدرة الغريبة على تعليق الآمال… ولو على خيط رفيع.


