الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"اللّتلتة"… موهبة واختصاص

الـ”لتلتة” من الفعل لَتَه، وفاعلها يُسمّى لتّلات. وهي كلمة شعبية بسيطة، لكنها تُصيب المعنى بدقّةٍ لا تبلغه الفصحى حين نقول ثرثار. فاللتّلات شخص موهوب… نعم موهوب، وجريء في موهبته، قادر على رسم مشهدية كاملة من خياله، يدافع عنها وكأنها حقيقة مُنزلة، ويستشهد بكل أدوات الإقناع، وصولًا إلى ذكر “مراكز دراسات” لا وجود لها أصلًا، بل ويختلق لها أسماءً وهمية على طريقته الخاصة.
واللتلتة ليست حكرًا على فئة دون أخرى؛ فهي ممتدّة في كل طبقات المجتمع. فقد تجد اللتّلات سائق تكسي، أو بائع صحف، أو طبيبًا، أو “دكتورًا” في أي اختصاص… وربما بلا أي اختصاص أصلًا! ومع كثرة لتلتته، يتحوّل لقب “الدكتور” إلى اسم ملازم له، يُنادى به حتى ينسى الناس اسمه الحقيقي، ولا يُصوّب لهم، فهذه من لوازم “المهنة” ومتطلبات شهرتها.
فاللتلتة موهبة عابرة للطبقات، جامعة لكل فئات المجتمع. فاللتّلات الطبيب مثلًا يقنعك بأنّك لست موجوعًا بل “تتدلّل”، والجرّاح قد يهنّئك بنجاح العملية ويعزّيك في الوقت نفسه بموت المريض. أمّا السائق واللحّام، فيرسمان لك مشاهد كاملة بتفاصيل دقيقة لا تملك معها إلّا التسليم “لخلاصة معلوماتهما الخاصة”.
ويبقى كل ذلك ضمن إطار الظرف الزماني والمكاني وحدودهما الطبيعية… إلى أن يظهر الصنف الأخطر: اللتّلاتون الفيروسيّون؛ أولئك الذين ينتشرون كالأوبئة، يحيكون مشهديات تستند إلى مصادر وهمية ومراكز دراسات غير موجودة. يحتلّون الشاشات ومواقع التواصل وصدور المجالس ، يقدّمون “نظريات” ما أنزل الله بها من سلطان، ويقلبون الحقائق، فيجعلون النصر هزيمة والهزيمة نصرًا، كلٌّ وفق هوى انتمائه.
والأدهى من ذلك أنّ لهم جمهورًا واسعًا يتابعهم كما تُتابَع العرّافات، وكأنّ كلامهم وحيٌ لا يأتيه الباطل.
يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة:
“عندما تنهار الدول يزداد في المجتمع الرعب والفوضى، حيث يكثر المنجّمون والمتسوّلون والمدّعون، بينما يضعف صوت الحق ويختلط الصدق بالكذب. في هذه المرحلة، يصبح الانتماء قبليًّا على حساب الانتماء الوطني والقومي.”
وهذا تمامًا ما نعيشه اليوم… بين “الدكتور” داهش و”الخبيرة” ليلى عبداللطيف.
ويبقى الأمل بالحكيم اللطيف.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تطويع مع القاتل

ان ماورد عن مصادر اعلامية بأن الجانب الامريكي سيطلب من لبنان إلغاء القانون الذي يحرم التواصل مع اسرائيل لا يستقيم مع صرخة البطريرك برثلماوس الاول اليوم في ٢٠٢٧/٤/٢١ وهو يمثل أعلى...

عندما يصبح الإعلام أداة للفتنة بدل وحدة الموقف

في زمن الخطر الذي يهدد لبنان لم يعد مقبولاً أن تتحول بعض الشاشات العربية واللبنانية ومعها ما يسمى بالصحف الصفراء إلى منصات لبث الأكاذيب وصناعة الفتنة الداخلية بدلاً من أن تكون...

"حربٌ لم نَخْتَرْها".. من اختار الحرب في لبنان؟

يتردد كثيرا على ألسنة سياسيين وسياديين وحياديين في لبنان وعديد من الأبواق التي تتحدث العبرية بلسان عربي مبين، أن الحرب مفروضة على لبنان ولم يخترها – وهذا صحيح حتى هنا- الا أنهم...

لعن الله من ايقظها ....

ما كدتْ انتهي من قراءة رسالة استاذنا الكبير ” حسن صبرا ” المؤرخ المتألق للمحطات العربية الأصيلة الطاهرة ، يحكي فيها عن صبيحة اليوم الخامس من حزيران ١٩٦٧ زمن النكسة...

الزواج الثاني في زمن النزوح… بين الحاجة والعبث الاجتماعي

في أزمنة الحروب والأزمات الكبرى، تتعرّض المجتمعات لاختبارات قاسية تمسّ بنيتها الأخلاقية والاجتماعية. ومع ما يمرّ به لبنان من عدوانٍ صهيونيٍّ مستمر، وما نتج عنه من موجات نزوحٍ...

كي لا يتكرس نيسان : شهر اندلاع الحروب الأهلية المدولة في لبنان

للتذكير ، اندلعت  الحرب اللبنانية الأهلية  المدولة في 13 نيسان / أبريل 1975، نتيجة تراكمات تعاظمت منذ ومن قبل تكوين دولة لبنان الكبير1920،  من مناطق تَحارب مقاطعجييها ، تعيش فيها...