الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

جِماح الطّائفية.. إلى نوويّة شيعيَّة وسُنيَّة!

ما كان في الخاطر ظهور مثقفين، تجمَحَ بهم الطّائفيَّة إلى تسمِّية القنابل النَّوويَّة بالأديان والمذاهب، توصلوا إلى هذه الأفكار الجهنميَّة بعد الحديث عن نِفطٍ شِيعيٍّ وماءٍ سُنيٍّ، فعندهم الأوطان مؤامرات على الطَّوائف، لا العكس. إنَّها ضمائرٌ غاطسةٌ في الكراهيَّة، مع أنَّ القهر ينبع في داخل الطَّائفة وبشدةٍ أيضاً، لكنَّ هؤلاء يعتبرون القتل داخل الطَّائفة بتراً لخيانة المقدس، فقد شمتوا بمئات الشّباب، القتلى بسلاح طائفتهم، لأنَّهم كفروا بسلطة الطّائفة. عندما انتجت الهند القنبلة «النَّوويَّة» (1974)، لم تسمِّها بـ«الهندوسيَّة»، ولما لحقتها باكستان (1998) لم تُقدمها «الإسلاميَّة»، ولا الاتحاد السُّوفييتي عَرَّفها بـ«الشّيوعيَّة».

كذلك أميركا انتجت «النَّوويَّة»، ولم تسمِّها بـ«المسيحيَّة»، وإذا كانت بريطانيا إنجيليّة بروتستانيَّة، وفرنسا كاثوليكيَّة، فهما لم يدعوا قنبلتيهما بمذهب الكنيسة، التي يتعبدون بتقاليدها. كذلك بعد (يونيو1967)، أعلنت الصّين إنتاج «الهيدروجينيَّة»، لكنها لم تسمِّها «كونفوشوسيّة»، وفقاً لعقيدتها الفلسفيَّة، أو «بوذيَّة» لديانتها، ولا بالشّيوعيّة مجاراةً لحزبها الحاكم، فإطلاق اسم الدِّين والمذهب على سلاح الإبادة، ليس في ذاكرة حكومة مِن الحكومات، ولا حزب مِن الأحزاب، مثلما عَشعَش في عقول الطّائفيين، فاطلقوا الحديث عن قنبلة شيعية، يقولون إن إيران تنوي إنتاجها، وسُنيّة كالتي أنتجتها باكستان، على أنَّ إيران شيعيّة وباكستان سُنيّة. لم تتحدث الدول عن شيعيّة أو سُنيّة قنابلها النَّووية، إنما يقترحها السَّادِلون في طائفيتهم، وبينهم مَن يملك الموهبة والقدرة في التأليف والخِطابة، لكنْه خسرها وأَضاعها بالغلو الطّائفيّ، فلا تجد له فكراً ولا ثقافةً، غير الأراجيف لتعميق الضَّغائن. تجاوز إلى القنابل المذهبيَّة، ولم يحسب للأوطان حساباً، أخذته الطَّائفيَّة إلى أوطانٍ متخيلةٍ، وبها تتحول المجتمعات، المختلطة دينيّاً منذ قرون، إلى جزرٍ عائمةٍ على الدِّماء. يُقدم أصحاب تقابل القنبلة الشِّيعيّة مع السُّنيّة، أنفسهم بمثقفي الطَّائفة، وقد صدعوا الرُّؤوس بدعواتهم إلى بيوت طائفيَّة، وثقافة شيعيّة خصيمتها السُّنيّة، وهم ذاتهم، المحامون عن الطَّائفة، يعلمون أنَّ هتك الطّائفة بهتك الوطن، فمِن الواقع أنّ الوطن واحد يشمل الجميع، والطّائفة لم تكن واحدة، فعصر الإمبراطوريات الدّينيَّة والمذَّهبيَّة والعرقيّة- على مثال صفويّة وعثمانيّة، ورومان وساسان- قد ولى.

أحسبُ دعوات تسليح الطّوائف بالنَّوويّ، ستكون مفاتيح إطلاقها بيد مرضى الخرافة، الذين يعيشون في أوهام الماضي الغابر، عندها تصبح أتانين لحرق الطّوائف نفسها، وأصحاب مثل هذه الثّقافة الأنانيّة، إذا تمكنوا تطبيق دعواتهم، سيحرقون اليابسة والخضراء. شتان بين الجامحين طائفيّاً، إلى حدّ تقسيم المذاهب نوويَّاً، ممَن لا يعدّون الأوطان التي لامست جلودهم ترابها، سوى خرائب، وبين صاحب العِمامة البيضاء، الشَّيخ العراقيّ الحليّ عبد الكريم الماشطة (ت: 1959)، وكان مِن دُعاة السّلم والإنسانية، وقف مع الدّعاة العالميين ضد السّلاح النّوويّ، وهم أشراف العالم، من الذين عرفوه زميلاً في مجلس السِّلم العالمي، كان الهدف وقاية البشرية من حرب نووية مرتقبة، بينما المقصودون في مقالنا هذا، ظلوا يتفاخرون بانتصارات طائفيّة طاعونيَّة. أقول للطائفيّ: «خفف الوطء» ما أظن خراب الأوطان إلا من هذه الأفكار.

فلا الأوطان ولا الطَّوائف تتحمل زيادة الخراب، بجِماح عابر إلى نوويّة شيعيَّة وسُنيَّة! قيل: «العين أنطق مِن اللِّسان، وأوقد مِن النّيران» (التّوحيدي، الصّداقة والصّديق)، فهل ترى عيونكم أنَّ باكستان نصرت السُّنَّة بها، أو إيران لو ملكتها ستنصر الشّيعة؟ ولا ندري كم سيكون عدد قنابل كلّ طائفة، والطَّوائف لها اِنشطارات داخلها، وكل شطر له قنبلته حسب دعوتكم. يجري التفكير بالنَّوويّ والبلدان وطوائفها «عاشقاها» الفقرُ والجهلُ. لكنَّ العقول الرَّخوة تفتقد رؤية الحقِّ، ولمسكين الدَّارميّ (ت: 89 هـ): «ثلاثةُ أملاكٍ رَبوا في حجُورنا/ فهل قائلُ حقَّاً كمن هو كاذبُ» (الدّيوان)، أنتم كاذبون واهمون ياسادة، بقولكم مِن مصلحة الطَّائفة أنْ تكون «نوويّة» شيعيَّة ومقابلها أخرى سُنيَّة!

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...