الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

جِماح الطّائفية.. إلى نوويّة شيعيَّة وسُنيَّة!

ما كان في الخاطر ظهور مثقفين، تجمَحَ بهم الطّائفيَّة إلى تسمِّية القنابل النَّوويَّة بالأديان والمذاهب، توصلوا إلى هذه الأفكار الجهنميَّة بعد الحديث عن نِفطٍ شِيعيٍّ وماءٍ سُنيٍّ، فعندهم الأوطان مؤامرات على الطَّوائف، لا العكس. إنَّها ضمائرٌ غاطسةٌ في الكراهيَّة، مع أنَّ القهر ينبع في داخل الطَّائفة وبشدةٍ أيضاً، لكنَّ هؤلاء يعتبرون القتل داخل الطَّائفة بتراً لخيانة المقدس، فقد شمتوا بمئات الشّباب، القتلى بسلاح طائفتهم، لأنَّهم كفروا بسلطة الطّائفة. عندما انتجت الهند القنبلة «النَّوويَّة» (1974)، لم تسمِّها بـ«الهندوسيَّة»، ولما لحقتها باكستان (1998) لم تُقدمها «الإسلاميَّة»، ولا الاتحاد السُّوفييتي عَرَّفها بـ«الشّيوعيَّة».

كذلك أميركا انتجت «النَّوويَّة»، ولم تسمِّها بـ«المسيحيَّة»، وإذا كانت بريطانيا إنجيليّة بروتستانيَّة، وفرنسا كاثوليكيَّة، فهما لم يدعوا قنبلتيهما بمذهب الكنيسة، التي يتعبدون بتقاليدها. كذلك بعد (يونيو1967)، أعلنت الصّين إنتاج «الهيدروجينيَّة»، لكنها لم تسمِّها «كونفوشوسيّة»، وفقاً لعقيدتها الفلسفيَّة، أو «بوذيَّة» لديانتها، ولا بالشّيوعيّة مجاراةً لحزبها الحاكم، فإطلاق اسم الدِّين والمذهب على سلاح الإبادة، ليس في ذاكرة حكومة مِن الحكومات، ولا حزب مِن الأحزاب، مثلما عَشعَش في عقول الطّائفيين، فاطلقوا الحديث عن قنبلة شيعية، يقولون إن إيران تنوي إنتاجها، وسُنيّة كالتي أنتجتها باكستان، على أنَّ إيران شيعيّة وباكستان سُنيّة. لم تتحدث الدول عن شيعيّة أو سُنيّة قنابلها النَّووية، إنما يقترحها السَّادِلون في طائفيتهم، وبينهم مَن يملك الموهبة والقدرة في التأليف والخِطابة، لكنْه خسرها وأَضاعها بالغلو الطّائفيّ، فلا تجد له فكراً ولا ثقافةً، غير الأراجيف لتعميق الضَّغائن. تجاوز إلى القنابل المذهبيَّة، ولم يحسب للأوطان حساباً، أخذته الطَّائفيَّة إلى أوطانٍ متخيلةٍ، وبها تتحول المجتمعات، المختلطة دينيّاً منذ قرون، إلى جزرٍ عائمةٍ على الدِّماء. يُقدم أصحاب تقابل القنبلة الشِّيعيّة مع السُّنيّة، أنفسهم بمثقفي الطَّائفة، وقد صدعوا الرُّؤوس بدعواتهم إلى بيوت طائفيَّة، وثقافة شيعيّة خصيمتها السُّنيّة، وهم ذاتهم، المحامون عن الطَّائفة، يعلمون أنَّ هتك الطّائفة بهتك الوطن، فمِن الواقع أنّ الوطن واحد يشمل الجميع، والطّائفة لم تكن واحدة، فعصر الإمبراطوريات الدّينيَّة والمذَّهبيَّة والعرقيّة- على مثال صفويّة وعثمانيّة، ورومان وساسان- قد ولى.

أحسبُ دعوات تسليح الطّوائف بالنَّوويّ، ستكون مفاتيح إطلاقها بيد مرضى الخرافة، الذين يعيشون في أوهام الماضي الغابر، عندها تصبح أتانين لحرق الطّوائف نفسها، وأصحاب مثل هذه الثّقافة الأنانيّة، إذا تمكنوا تطبيق دعواتهم، سيحرقون اليابسة والخضراء. شتان بين الجامحين طائفيّاً، إلى حدّ تقسيم المذاهب نوويَّاً، ممَن لا يعدّون الأوطان التي لامست جلودهم ترابها، سوى خرائب، وبين صاحب العِمامة البيضاء، الشَّيخ العراقيّ الحليّ عبد الكريم الماشطة (ت: 1959)، وكان مِن دُعاة السّلم والإنسانية، وقف مع الدّعاة العالميين ضد السّلاح النّوويّ، وهم أشراف العالم، من الذين عرفوه زميلاً في مجلس السِّلم العالمي، كان الهدف وقاية البشرية من حرب نووية مرتقبة، بينما المقصودون في مقالنا هذا، ظلوا يتفاخرون بانتصارات طائفيّة طاعونيَّة. أقول للطائفيّ: «خفف الوطء» ما أظن خراب الأوطان إلا من هذه الأفكار.

فلا الأوطان ولا الطَّوائف تتحمل زيادة الخراب، بجِماح عابر إلى نوويّة شيعيَّة وسُنيَّة! قيل: «العين أنطق مِن اللِّسان، وأوقد مِن النّيران» (التّوحيدي، الصّداقة والصّديق)، فهل ترى عيونكم أنَّ باكستان نصرت السُّنَّة بها، أو إيران لو ملكتها ستنصر الشّيعة؟ ولا ندري كم سيكون عدد قنابل كلّ طائفة، والطَّوائف لها اِنشطارات داخلها، وكل شطر له قنبلته حسب دعوتكم. يجري التفكير بالنَّوويّ والبلدان وطوائفها «عاشقاها» الفقرُ والجهلُ. لكنَّ العقول الرَّخوة تفتقد رؤية الحقِّ، ولمسكين الدَّارميّ (ت: 89 هـ): «ثلاثةُ أملاكٍ رَبوا في حجُورنا/ فهل قائلُ حقَّاً كمن هو كاذبُ» (الدّيوان)، أنتم كاذبون واهمون ياسادة، بقولكم مِن مصلحة الطَّائفة أنْ تكون «نوويّة» شيعيَّة ومقابلها أخرى سُنيَّة!

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...