
لكل منّا سفيره الخاص ، و كذا لكل قوم و مجتمع و عقيدة ، السماء سفيرها الوحي ، و النبيّ سفيره كاتب الوحيّ ، العصافير سفيرها الزقزقة النديًة و الجلاّد سفيره السيف ، الشاعر سفيره الراوية ، الطاغية سفيره الظالم ، الحكيم سفيره النصيحة و لفتيان المدينة سفيرهم …
و في العودة للمحكيات و السيرة القريبة كان موقع السفارة على تلة قلعة طرابلس ، كانوا الصِبية يتسوّرون القوة الممانعة الصلبة من تاريخ آبائهم الصِيد فوق المنحدر الذي تغتسل قدماه بالنهر الذي تقادم عليه العُمر و عدم الإكتراث ، فَهرِم إلى منزلة الساقية حتى بلغ من العُمُر عتيّاّ ، فكان اقرب إلى مستنقع فيه كل فضلات العالم الجديد و إختراعاته و كل ما لا يلزم تقذفه غيبة أو غيبوبة الأخلاق ليستريح على ضفته .. فأغلى المساكن في الدنيا على مقربة من الأنهار إلا في تعيس الحظ ” *ابو علي* ” فهو هوية الفقراء و المساكين يتصيّدون ما هو أقرب للأكواخ منه لدور السكينة و السكن ، *فيما كانت الأعيان قديما تتبارى و تتباهى بإقامتها في ضيافة مساحة النهر* ، حيث كانت المنازيل و المنازل بهيبتها و قرميدها و ياسمينها و المشربيات الخوالي ….
و من اجمل جوائز الجنة ( *…جنّات تجري من تحتها لأنهار* …) ..
و في العودة لأساس الرسالة ـ *الصرخة* – ان الصِبية يتفننون في صناعة ” *طيّارة الورق* ” من قصبٍ يلمع بدون طلاء ، فارغ الجوف متين العود على قياسات مختلفة تراعي قوانين الطيران اليدوي ، ثم تُكسى بلباس قشيب من الأوراق المقتبسة من قوس الرحمن ،و تُشبك بخيوط دقيقة على قَدَرٍ من المقاومة .. و كان الذيل لعبة المهارة كأنه *” فستان العروس* ” تجرّه خلّفها بفرح من غير خُيلاء و رأس الخيط الأشبه بقُمرة القبطان يتصل بلفافة من الخيطان تشفع لإجتياز مئات الأمتار …و بطريقة فيها الحذق و المهارة تبدأ رحلة ” الإقلاع ” و تتوارى رويداّ “الطيّارة ” فوق سطح النهر و تُوغل يداعبها النسيم فيساعدها لأداء المهمة ….
تستكشف ” طيّارة الورق ” نهارا فلا تجسس ، و طائرات اليوم تتجسس ليلا لإكتشاف أسرار الدول و عديد جيوشها و عدّتهم.. تحمل ” طيّارة الورق” على أديم ورقها الفسيفسائى مُزَع من وريقات الورد الجوري ، و كلها في معزوفة يومية تختلف بإختلاف الفصول إن *كان خريفا فوتيرة الآلات الموسيقية للعاصفة على نمطية مختلفة من عزف الشتاء و شقاء الصيف و تبرّج الربيع* ..
طائرات اليوم إستبدلت قناديل الورد بقنابل خارقة حارقة فيها الرَدى و الدمار و إغتيال المدن ..
رسائل ” *طائرات الورق* ” فيها قصائد أبجدية الحب الأولى مُركّبة بسذاجة و فطرة ، و رسائل طائرات اليوم فيها الخوف و بلاغات الإخلاء و أوامر النزول إلى المخابئ…و إذا ما تشابكت بعض طائرات الورق ببعضها لغياب ” *خطوط الطول والعرض* ” و تنسيق الرحلات فتسقط في النهر لتحظى بشاطئ دافئ عند بوابة مدينة مسحورة ، و تشابك طائرات اليوم كوارث تفتح شهية النعوش إلى دهاليز المقابر .
و في طريق عودة ( طيّارة الورق) إلى فتاها شهْقة من سعادة لا توصف ، و ما من يوم رجعت لنفاد الوقود ،، فهي بريئة من العوادم و التلوث ،و ركابها على متن أسطورة من الأمنيات ،و كل أمنية لها شرف الجلوس في الدرجة الأولى ،فكل هيكل ” طيّارة الورق ‘ خمس نجوم من البساطة و رهافة الحس و نُبل المقاصد ، و صوتها اهازيج من تزاوج الورق مع النسيم ، و صوت طائرة اليوم هدير دونه الأرق ..
*في افتتاحية رحلة ” طيّارة الورق” يستعيذ الفتى برب الفلق أن يعيدها عطرة مثل أشتال الحبق، و في طائرات اليوم نستعيذ برب الفلق ، من شر ما خلق* .
الفرق بين ” طيّارة الورق” و طائرة القنابل كالفرق بين ” *الجائزة و الجنازة* “!!…