
حوالي عشرين قرية ومزرعة (بينها القصير وحاويك والسماقيات، وجوسيه، ووادي حنا، وبلوزة، وزيتا، وسقرجا، وغوغران، وبرج الحمام والذيابية وحوش السيد علي) تميّزها على الرغم من قسوة الحياة، وسطوة الجناة، طيبة أهلها وعفويتهم وكرمهم وحميّتهم وتعاونهم وتكاتفهم، وقد تجلّت تلك المزايا بأبهى صورها عيشاً مشتركاً ونسيجاً اجتماعيّاً بديعاً يعيد إلى الأذهان التاريخ العريق للبلدين الشقيقين (لبنان وسورية)، الذي كان حتى الأمس القريب منهجاً يُحتذى به ومادة تدّرس في المدارس والمعاهد والجامعات العربية والعالمية.
عن ذلك الزمن الجميل سألنا بعض أبناء المنطقة الذين لايزالون يحتفظون بصداقاتهم وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية على الرغم من تهجيرهم من بيوتهم وقراهم وإبعادهم قسراً عنها.
أبو مصطفى الذي لم يستفق بعد من الصدمة جرّاء ما حصل، كأن الزمان توقف به هناك –في الديابية- بين أحراج الزيتون حيث كان يستمتع باحتساء كوب الشاي الساخن مع جيرانه ابناء المنطقة (شيعة، سنة، علويون، مسيحيون). يصفن برهة يستذكر شيئاً ما فيضحك بصوت عالٍ قائلاً: ” حتى أبو طوني كنت مفكرو مسلم” ويتابع مطأطئاً رأسه وكأنه يخفي عنا بضع دموع : “ما كنا نعرف شيئاً عن الطوائف والمذاهب… من وين خلقت هالطائفية ؟ربّك يعلم”.
لكن احمراراً في العينين فضح أمر أبو مصطفى (الرجل الشرقي التسعيني الذي يخاف أن يرى أحد دموعه) لينفجر صارخاً : ليش ما بدي ابكي مين قال سوريه بيصير فيها هيك؟ مين قال اني اترك بيتي وأرضي وعزوتي؟ مين كان يفكّر لحظة انو ممكن نتقاتل نحن وجيراننا؟؟ يلعن أبو السياسة والسياسيين؟ شو سويّنا لهجّرونا؟ بس لإنو شيعة؟ معقولة يا عمي؟
فسألته هل يعقل أن تكونوا قد هجرتم لمجرد أنكم شيعة؟ فتدخّل شاب كان جالساً جنبه وقال: اي بس لإنو شيعة؟ مضيفاً أنا سني من القصير لكن هجّرت لأني متزوج من شيعية (بنت ابو مصطفى)… سألته هل بينكم من كان مع النظام السابق؟ فأجاب أي نظام؟ نحن منعرف نظام؟!! نحن جماعة فلّاحين مظلومين مهمشين، الكهرباء منشوفها بالصدف؟ النظام ما بيعرفنا إلا وقت نقطع عالحواجز (في إشارة الى الرشاوى المفروضة على الحواجز).
وبين القصّة والقصّة تخنق الياس خضر (العلوي) الغصّة، فيلتفت نحو نافذة بيته (بلدة القصر الحدودية) يتمتم بعبارة “إلنا الله” عبارة إيمانية يغمرها الحزن والحسرة فيقول: “ليكا بلادي قدام عيني وما فيني زورا… هنيك أرزاقنا وأملاكنا وأموالنا وذكرياتنا وحكاياتنا.
سألناه أنت سوري أم لبناني؟ فقال: “شو سوري وشو لبناني؟ هون ما في منّا هي!!! هون في انت جاري وانت أخي وربيانين سوا… فشخة بتصير بلبنان وفشخة بتصير بسورية ، بتفوت عبيتك بأرض لبنانية بتضهر من ثاني باب بأرض سورية، هون حتّى الطبيعة بتحب بعضا، التراب بحب بعضو، والصخور بتحمل هالجبال والجرود سوا كتف بكتف ما بتميّز بين جبل سوري وجرد لبناني، وهيك نحنا… الراعي مثلاً بيسرح بغنماتو بهالجرد لا بيعرف وين لبنان و وين سورية ، والفلاح بيزرع الارض عندو ياها وطن، كلها بالنسبة الو وطن، ما في فرق ، حتى قرايبيننا أغلبهم آخدين (متزوجين) من لبنان بعمرنا ما قلنا لبنانية او سورية”.
ولما سألته عن اسمه أجاب: “أنا طول عمري بعرف حالي مسلم، بصلّي بالجامع صلواتي الخمسة، بس ما اعرف شو مذهب وشو كذا، لوقت الأحداث. صار هذا يقلي اسمك الياس يعني مسيحي، وذاك يقلي انت علوي كافر. وهذا يحلّل قتلي!! لي شو في؟ شو أنا اخترت اسمي وديني؟ روحوا حاسبوا أبي… ليكو تحت التراب”.
ابتسم الياس قائلاً: “والله سورية ما رح تتغير، سورية أصيلة والأصيل ما بيتغير، بس خلّيهم يبعدو الأغراب عنها، ويرجّعوا هالمثقفين ونحن بألف خير”.