حاكم نصفه فرعون ونصفه هارون الرشيد ذكي وشديد الغباء ، أمير المسرفين ومقتر يحاسب على القرش ، طاغية مستبد وينشئ أول مجلس نيابي … هو أفندينا الذي باع مصر وهو إسماعيل باشا الذي تولى حكم مصر يوم 18 يناير 1863 ، وكان عمره 33 سنة وكان أباً ل 12 طفلاً من أربع زوجات .
جلس الخديوي إسماعيل على عرش مصر بأمر من السلطان العثماني عبد العزيز لأن مصر كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية التي تضم الجزائر وتونس وليبيا وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق وشبه الجزيرة العربية والمجر وشبه جزيرة القرم ومعظم جنوبي شرقي أوروبا ، وقد أراد هذا الباشا أن ينهي النفوذ العثماني ويمنع تدخل السلطان في شؤون مصر ، وقد نجح في ذلك الى حد بعيد وكان طريقه الى ذلك هو الرشوة والمال .
وكان يدفع ثمن كل امتياز جديد يحصل عليه من السلطان ، وقد قدم أول رشوة للصدر الأعظم فؤاد باشا 60 الفاً من الجنيهات ، عندما زار السلطان عبد العزيز القاهرة ورفع الجزية التي كانت تدفعها مصر الى الدولة العثمانية من 300 ألف جنيه الى 750 ألف كل عام وحصل إسماعيل على أول فرمان في مايو 1866 بأن تكون وراثة العرش لأكبر أبناء الخديوي إسماعيل ، وهو الأمير توفيق والغى بذلك ما كان متبعاً منذ عصر محمد علي ، وهو أن تؤول وراثة العرش لأكبر أفراد أسرة محمد علي سناً ، ولكن كيف حصل إسماعيل على الاستقلال الداخلي لمصر مع بقاء تبعيتها للدولة العثمانية ؟ .
تقول كتب التاريخ أن أول رشوة قدمها الخديوي للباب العالي كانت لتقرر ولاية العهد طبقاً للقانون الإسلامي ، وليس للقانون العثماني ، وكان هذا هو الفرمان الأول ثم بعد ذلك دعا الخديوي السلطان عبد العزيز الى زيارة مصر واستمرت هذه الزيارة ستة أسابيع وكلفت مصر 6,1 مليون جنيه ، وأقام إسماعيل مأدبة عشاء فاخرة بحديقة قصر المطل ، فقدم الطعام في أوان من الذهب صنعت في باريس ، وبعد العشاء أهدى الخديوي هذه الأواني للسلطان ، ويقال أن أكثر من خمسة آلاف قيراط من الألماس سبكت في تزيين هذا الطقم ، وقدم الخديوي للسلطان 900 الف جنيه و25 الف للصدر الأعظم و15 ألف لوزير الحربية و12 الف أخرى وزعها على باقي الموظفين في قصر السلطان ، ومن هذه الزيارة حصل الخديوي على الفرمان الذي يخول له الاقتراض دون استئذان السلطان .
وأخيراً صدر الفرمان الجامع الشامل في 9 يونيو 1872 ، والذي تضمن كل الامتيازات التي حصل عليها حاكم مصر ، وهي حق سن القوانين والاقتراض وزيادة عدد الجيش وعقد المعاهدات وسك النقود واعطاء الرتب حتى رتبة ” البكوية ” وتعيين قاضي القضاة وشيخ الإسلام ، ومنع فقط من التمثيل الخارجي وصنع المدرعات ، وقد استغرق ذلك من الخديوي جهداً ورشاوى عشر سنوات كاملة .
ومنح السلطان لقب الخديوي الى إسماعيل ومعناه بالفارسية ( الأمير الكبير ) ، وبعد أن أصبحت مصر مزرعة يملكها الخديوي وأسرته وأصبح ولده خليفته في الحكم ، أدركت دول العالم أهمية إسماعيل كصديق ، فأرادت التقرب منه بالأوسمة والألقاب ، وكان لا سماعيل طموحه المعروف في أن تصبح مصر قطعة من أوروبا ، لذلك أنفق الكثير وحقق الكثير أيضاً فأنشأ خلال حكمه الذي استمر حوالي 16 سنة 8400 ميل من الترع ( 112 ترعة ) و1200 ميل من السكك الحديدية و2500 ميل من خطوط التلغراف و15 فناراً و64 مصنعاً للسكر وميناء حديث في الإسكندرية و430 قنطرة وحوض سفن في السويس واستصلح 1373000 فدان ، وأنشأ 450 مدرسة وهو أول من طبق التأميم في مصر ، فاشترى إدارة البريد وجعلها حكومية .
أمضى الخديوي ثلاثة أشهر في أوروبا لدعوة الضيوف لحضور حفلات قناة السويس في 17 نوفمبر 1869 وأنفق على الحفل 1.4 مليون جنيه ، فقالت امبراطورية فرنسا : ” لم أر مثل هذا في حياتي ” ، وقيل للخديوي أن الامبراطورة تريد أن تزور الاهرام فأمر بمد طريق طوله 7 أميال يصل الجيزة بالأهرام ، وعمل عشرة آلاف فلاح تحت ضربات الكرباج فنفذوا المشروع في ستة أسابيع .
في رحلاته الى أوروبا وجد إسماعيل أن الدول الغربية وكذلك تركيا تستدين بحرية عندما ينقصها المال فقلدها واقترض بدون اكتراث وانفق أيضاً بلا اكتراث ، وقد كان إسماعيل يرى أنه أعظم حكام أفريقيا وأنه قد يرث الامبراطورية العثمانية ذاتها ، وقد تنافست الدول الكبرى على اقراض مصر وتنافس قناصل هذه الدول كمقرضين لمصر نيابة عن بنوك دولية وبتأييد من حكوماتهم وحينما جاء الدائنون الى مصر للبحث عن الثروة بصرف النظر عن وسيلة جمعها تحولت مصر الى ميدان للنهب وقد ساعدت الامتيازات الأجنبية الدائنين ضد الخديوي ولم يكن هناك مكان في الإمبراطورية العثمانية أسيئت فيه الامتيازات الأجنبية مثل مصر .
وعندما أدرك ممثلو الدول أن الخديوي غير قادر على مقاومة تهديدهم أصبحت أبواب الفساد مفتوحة على مصراعيها ووصل الأمر بأحد الدائنين الى أن يعرض على الخديوي شراء سكك الحديدية المصرية مقابل التنازل عن عمولته في أحد القروض ، ولكن الخديوي الذي سعى لتحقيق طموحاته الشخصية فساعد في إتمام قناة السويس وأنشأ سكة حديد السودان ومد سلطان مصر الى البحيرات الاستوائية ، كان يقول مبررا أعماله : كنت أنفق لتنمية بلادي ، وليس في ذلك شك .
وفي أواخر عام 1875 تدهورت أحوال الخديوي المالية بسرعة ، وأعلن سلطان الدولة العثماني افلاسه وكان على إسماعيل أن يدفع أربعة ملايين جنيه في ديسمبر 1876 ولم يتوفر له المال اللازم فجاء أحد الفرنسيين ونصحه بحل مشرف وهو بيع أسهم قناة السويس الموجودة في خزائنه وهكذا كان .


