الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

هل حقيقة ان ردود ايران وحزب الله عقيمة ولن تصل إلى نتيجة؟ ما هي بوادر الفشل في تعامل الرئيس ترامب مع الأزمة، وهل سيتم تفعيل المادة 25 من الدستور الأمريكي؟

في خضم تصاعد الاحداث والحرب الجارية في المنطقة تظهر بين الآونة والأخرى آراء تحاول ان تشوه ما يحدث، او تُهبّط من عزيمة جمهور المقاومة او تعطي الانطباع ان كل ما تقوم به إيران ومعها حزب الله وانصار الله في اليمن هي افعال يائسة ولن تأتي بنتيجة. وبغض النظر عن دوافع هذه الاحاديث ومن يحركها والدعايات الأمريكية والاسرائيلية التي تغذيها، إلا ان الواقع يقول ان نتيجة المواجهة لحد اللحظة جعلت الطرفين الأمريكي والاسرائيلي يتراجعان عن الكثير من الأهداف الكبيرة التي أعلنا عنها قبل الحرب وفي بدايتها. امريكيا اصبح الهدف الوحيد الآن هو فتح مضيق هرمز، بمعنى آخر ذهب هدف الإطاحة بالنظام الإيراني ادراج الرياح ومعه تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية. وإسرائيليا اصبح الهدف الاوحد هو إقامة منطقة عازلة بين حدود فلسطين المحتلة ونهر الليطاني، وربما ابعد من ذلك حسب احلام نتنياهو. وتلاشى هدف نزع سلاح حزب الله. وهكذا هو الحال مع كل حرب تبدا بدون هدف واضح او تعشعش في ذهن من يقودها افكار غير واقعية وتعتمد على القوة المفرطة التي يمتلكها، والتي يتصور انه من خلالها يستطيع ان يجبر الطرف المقابل على الإستسلام.

نأتي الآن إلى إدارة قادة دول العدوان للحرب، وخاصة تلك الخاصة بالرئيس الأمريكي. في اول محاضرة حضرتها عند دراستي العليا في بريطانيا في علم الاستراتيجية، تحدث المحاضر عن دور القيادة او القائد في النزاعات الخطيرة. وضرب مثلين للمقارنة، الاول ادارة الرئيس جون كندي لازمة الصواريخ الكوبية (1962)، وكيف انه كان هادئا وغير منفعل، على الرغم من خطورة المشكلة، ليتمكن بالمحصلة النهائية من اجبار الاتحاد السوفيتي على سحب صواريخه من كوبا بدون ان يلجا للقوة العسكرية، التي كان يمكن ان تُدخِل العالم في حرب نووية لا تحمد عقباها. والمثل الثاني هو إدارة رئيس الوزراء البريطاني انتوني إيدن اثناء ازمة السويس (1956)، حيث قال ان انفعالية الرجل جعلته يرفع الهاتف في كل دقيقة ويتكلم مع قادة الوحدات الصغيرة ويصرخ ويشتم ويعطي اوامر متناقضة، مما افقده احترام اتباعه وبالنتيجة أخسرته تلك التصرفات المتهورة منصبه بل وحياته السياسية كلها، والأهم المواجهة الحاسمة مع خالد الذكر الرئيس جمال عبد الناصر. طبعا السبب الأساسي الآخر هو عدم قدرة إيدن على استيعاب فكرة ان دولة من دول العالم الثالث تجرأت على تحدي الإمبراطورية البريطانية. في المواجهة الحالية تهيمن على الرئيس ترامب أفكار مشابهة، مما يدفعه للقيام بنفس الأفعال الانفعالية، (طرد قادة كبار في الجيش ووزراء لا يتفقون مع وجهة نظره و قيادات ادارية اخرى، قضاة ومدعين عامين)، واخيرا وصل به الحد إلى ان يكتب تغريدة للإيرانيين يوم امس، وبانفعال عالي جدا، (افتحو مضيق هرمز اللعين والا ستعيشون في جحيم أيها الأوغاد). الترجمة العربية قد لا تعطي فكرة واضحة عن اللغة البذيئة التي استخدمها. نص كلامه هو:

Open the F..kin. Strait you crazy b.stards or you will be living in hell .

هذه اللغة المنفعلة وغير المهذبة والكلمات البذيئة والألفاظ النابية التي استخدمها، لا يجوز ان تصدر عن رئيس اكبر قوة في العالم، الذي يُفتَرض به ان يتمتع برباطة جأش عالية لمواجهة أزمة خطيرة. (وللتذكير فانه استعمل لغة مشابهة مع رؤوساء وزراء كندا وبريطانيا والرئيس الفرنسي ومع بعض قادة دول الخليج). اما مع مساعديه فيقال ان مستوى الكلام كان ادنى من ذلك بكثير، حسب ما نقله احدهم عن جلسة حوار ساخنة له في مكتبه في البيت الأبيض. (وبالمناسبة ايضا ان خصومه اعادوا توزيع فيدو لهلاري كلينتون، في حملتها الإنتخابية عندما كانت مرشحة ضده (2016)، قالت فيه ان هذا الشخص الإنفعالي والذي يُستَفَز بكلمات بسيطة، لا يجوز ان يحكم اقوى دولة في العالم وان يكون بيده شفرة الأسلحة النووية. فكرة كلينتون هذه يجب ان تجعلنا نتخوف ايضا من احتمال ان العالم قد يواجه كارثة نووية لأن الشخصين اللذين يتحكمان بالسلاح النووي يمكن ان يلجئا له اذا ما شعرا بانهما على وشك الهزيمة). المهم اذا ما اردنا ان نطبق نموذج ومعايير القيادة الناجحة التي ضربها لنا استاذنا في مبادئ علم الاستراتيجية، فسيكون من حقنا ان نقول ان ترامب قد خسر جزء مهم من المعركة وهو حسن ادارتها.

اخيرا هناك مسالة مهمة اخرى أثارها صديق موسوعي عزيز، وقيل له انها غير قابلة للتنفيذ، والفكرة، (التي نشأت نتيجة للأحاديث المتزايدة عن ضرورة عزل الرئيس الامريكي)، تدور حول ضرورة ان يلجأ نائب الرئيس (بموجب الدستور الأمريكي) الى حشد التأييد لعزل الرئيس لفشله في ادارة الأزمة. المادة التي عالجت هذه المسالة هي التي تحمل رقم 25 من الدستور، وتتكون من أربعة أقسام خصصت ل: (تنظيم انتقال السلطة الرئاسية في حالات الوفاة، الاستقالة، العزل، أو العجز غير الطوعي [اي بدون موافقة الرئيس]). وتسمح المادة للنائب بتولي مهام رئيس الجمهورية مؤقتاً إذا تعذر على الاخير القيام بواجباته، او ان اداءه بدأ يعرض مصالح البلاد العليا للخطر، سواء بطلب من الرئيس نفسه أو بقرار من نائب الرئيس، مدعوما من أغلبية الوزراء في الحكومة، لضمان استمرارية الحكم. والقسم او الفقرة التي تخص الحالة التي نتحدث عنها في المادة 25 هي الرابعة (العجز غير الطوعي)، والتي بموجبها يُسمح لنائب الرئيس والوزراء يعلنوا ان الرئيس اصبح عاجزا عن القيام بمهامه بسبب فشله وانفعالاته وقرارته غير العقلانية المضرة بمصلحة الدولة. طبعا اللجوء لهذه المادة، التي لم يتم اللجوء لها سابقا ابدا، ليس سهلا الآن ايضا لسببين: الأول ان القرار يجب ان يحظى بموافقة الكونغرس، وهذه عقبة ليست بالهينة، خاصة في الوقت الحاضر حيث ان الجمهوريين يمتلكون الأغلبية فيه، وثانيا ان من يفكر باللجوء اليها يجب ان يتذكر ان البلاد في حالة حرب وُضِعَت فيها كل هيبتها ومكانتها الدولية على المحك. ولكن من ناحية اخرى فان الاستجوابات العنيفة التي خضع لها وزير الدفاع الأمريكي في داخل الكونغرس، حول قرارات اعفاء قادة الجيش، (التي قال انها جاءت بأوامر من الرئيس)، او تصرفات شخصية وكلمات ازدراء لأديان (المسلمين بالذات) صدرت عنه وثقت بأفلام فيديو، وكذلك الانتقادات المتزايدة لسياسات وقرارات الرئيس التي بدأت تتزايد في اهم الصحف الامريكية (مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والورلد ستريت جورنال) والمحطات الفضائية مثل “سي ان ان”، والتي كانت من المؤيدين للرئيس، كلها إشارات قد تشجع على اللجوء للمادة 25، ربما ليس الآن ولكن بعد الإنتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري في تشرين الثاني /نوفمبر المقبل، والتي تقول إستطلاعات الرأي العام بان الجمهوريين سيخسرون الأغلبية فيه، عندها قد يصبح احتمال العزل ممكنا رغم صعوبته.

وحتى نصل إلى ذلك التاريخ فان التدمير والحرب الهوجاء ستستمر، وسيتصاعد عدد الضحايا الأبرياء اللذين لا يحرك قتلهم الوحشي لا ضمائر من يقودون الحرب او ضمائر من يؤيدها طالما ان من يقتل او يشرد هم من العرب والمسلمين.

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)

صدق الله العظيم

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...