الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} سورة المائدة.
في الآية وصيةٌ جامعةٌ عامةٌ بالتعاون على البِرِّ والتقوى ونهيٌ عن التعاون على الإثم والعدوان أي نهيٌ عن الشرِّ والظلم وأمرٌ بالتعاون على البِرِّ والبِرُّ اسمٌ عامٌّ في فعل كل خيرٍ فهو شاملٌ لفعل الواجبات والمستحبات وكل ما يتقرَّب به المؤمن إلى الله تعالى وشاملٌ كذلك لترك المحرَّمات وتعريف التقوى أداء الواجبات واجتناب المحرمات فمن اقتصر على ذلك فهو عبدٌ تقيٌ فإن زاد في الطاعات كان أحسن أما البرُّ فهو أعم من التقوى ولا شك أن المسارعة في الخير واغتنام طرقه من أجلِّ الأعمال وربنا تعالى يقول:{فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا} سورة المائدة. ويقول أيضًا:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج.
وعن أبي سعيدٍ الخُدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يشبعُ المؤمن خيرًا حتى يكون منتهاه الجنة” رواه ابن حِبَّان. فالمؤمن الكامل لا يمل ولا يَكلُّ من طلب الخير والسعي في البًِّر بل ويغتنم ذلك حيث تيسر له ولا يسأم من طلبه حتى يوصله ذلك إلى جنة الله تعالى العالية لأنه أدرك أن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها العمل الذي يوصل صاحبه إلى الدرجات العليا في الجنان أو الدركات السفلى في النيران، وحريٌ بمن أيقن بهذه الحقيقة أن ينظر ماذا يقول وماذا يفعل وأن يكون عونًا لأخيه على ما يعود عليه بالنفع والفلاح لا عونًا له على الإثم والعدوان كما أفادت ذلك الآية الكريمة. قال النسفي في “تفسيره” “والإثم ترك المأمور (أي ترك ما أمر الله به من الفرائض) والعدوان فعل المحظور (أي اقتراف ما نهى الله عنه من المحرمات) وحيث لم يُخَصَّص في الآية أعلاه فردٌ بالأمر ولم تُفرد في ذلك حالةٌ خاصةٌ فكل البر يُتعاون عليه ليكون المؤمنون صفًا واحدًا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ مجتمعين على طاعة الله متَّحدين في وجه كل متربصٍ بالأمة شرًا بعضهم سندٌ لبعضٍ مقتفين بذلك تعاليم سيد الكونين فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضه بعضًا وشَبك أصابعه” رواه البخاري. ولن يكون البنيان مرصوصًا ما لم تكن حجارته متجانسة متراكبة لأن المتخالف المتنافر لا يشد بعضه بعضًا ولا يحمل بعضه بعضًا، ولا بد لهذا التعاون والتعاضد من أن تتميز فيه حقائق الأشياء بوضوحٍ فيُعرف البر وتعرف أبواب التقوى بلا شكٍ، وهذا ضروريٌ لا سيما وقد كثُر في زماننا التمويه وتزييف الحقائق وتزيين الباطل ليتوهم بعض الناس أنه خلاصة الحق، وتحريف المبادئ الصحيحة كما هو حاصلٌ وكل ذلك مشاهدٌ وواقعٌ اليوم بل صار كثيرٌ من الناس يقدِّمون الضلال يزعمون أنه الصواب ويروجون الفساد يعتقدون أنه الهدى، ولا شك أن هذا يستدعي من كل واحدٍ منا أن ينصر الحق بالبيان ما استطاع لأن المسؤولية ملقاةٌ على عاتق الجميع، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بلِّغوا عني ولو آيةً” رواه البخاري. فعلى كل مؤمنٍ أن يسعى في نشر الهدى ما استطاع ليحذر الناس السم في الدسم، فإن المنكر إذا لم يتصدى له من ينكره ويبين خطره للناس زاد وانتشر، والمرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه.
التعاون قوة
وقد سأل سيدنا موسى عليه السلام وهو النبي الكريم الله تعالى أن يعضُده بأخيه قال تعالى إخبارًا عنه:{واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري} سورة طه. وقد استجاب ربنا تعالى لدعوته عليه السلام قال تعالى:{قال قد أوتيت سُؤْلَك يا موسى} سورة طه. وقال جلَّ وعزَّ:{قال سنشُد عضُدك بأخيك} سورة القَصص. فدلَّ هذا على أهمية العمل الجماعي لنشر الفضيلة والتعاون على إحقاق الحق وإبطال الباطل، إذ التعاون على البر قوة وأما التعاون على الإثم والعدوان فهو فسادٌ كبيرٌ وشرٌ مستطيرٌ يخربُ البيوت ويُدمر الأوطاون وقد دلت الآية أول المقال على حرمة ذلك، فإن أي عملٍ فيه تشجيعٌ على الحرام وحثٌ على الفساد سواءٌ بالقول أم بالفعل كأن يأمر بما نهى الله تعالى عنه من الإثم أو ينهى عمَّا أمر الله تعالى به من الفرائض هو تعاونٌ على ما يُسخط الله العظيم، ونرى بعض الناس اليوم للأسف يصرفون المال في التعاون على الإثم والعدوان ويدافع بعض الجهلة عن أنفسهم بأن يقول أحدهم: أنا لم أفعل ولم أقترف إنما فعل فلانٌ واقترف الذنب فلان ويجهل أو يتجاهل أنه شريكٌ له في الإثم لأنه لولا أنه أعانه على هذا الشر لما تمكّن فلانٌ من فعله، وجديرٌ بمن كان هذا حاله أن يتوب إلى الله تعالى وأن ينظر كيف يعين إخوانه على الخير ليكون المال ذخرًا له لا وبالًا عليه في أخراه، وليكون بالتالي داخلًا في جملة الذين يتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.
إذًا فضرورة العمل بالآية الكريمة واضحة لذي عينين بل هي حقيقة راسخةٌ فإن كثيرًا من الأعمال لو قام بها المرء مستعينًا بغيره تأتي أتم وأكمل بل ويختصر بذلك جهدًا ووقتًا وبذلك تظهر أهمية التعاون على البر والتقوى من أجل التكامل في إنجاز المطلوب من أمور الحياة، فالتعاون قوة تتضاعف بمزيد التعاون فتنجلي بهذه القوة الظلمات المدلهمة وتنكشف للناس الحقائق التي طمسها أعداء الحق، وبذلك نكون على قلب رجلٍ واحدٍ ونندفع بالحق الذي اجتمعنا عليه متعاونين في مواجهة كل المؤآمرات التي تُحاك لأمتنا الأبية، لنكون على خطى سلفنا الصالح الذين طبقوا بكل معنى الكلمة ما جاء عن النعمان بن بشيرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مثل المؤمنين في تراحُمهم وتواَدِّهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوٌ منه تداعى له سائر الجسد بالحُمى والسهر” رواه البيهقي. ففتحوا الدنيا وحملوا للناس مشاعل النور وكنوز العلم والحضارة شعارهم {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}
والحمد لله أولًا وآخرًا.


